Wikia

Yeni Wiki

كتاب العبر

Talk0
57.091pages on
this wiki

كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي لسلطان الأكبر للعلامة عبد الرحمن ابن خلدون. يقع في 7 مجلدات يتصدرها كتاب المقدمة. لم يخرج ابن خلدون في العبر عن الكتابة التقليدية للتاريخ، غير أن مقدمته تميزت بموسوعيتها من جهة واحتوائها على عدة آراء وأفكار جعلت الباحثين يعتبرون الرجل مؤسسا لعلم الاجتماع.

Şablon:بذرة كتاب

تصنيف:كتب

القسم الأول من المقدمة Edit

في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه والالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها Edit

اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. و الأنبياء في سيرهم. و الملوك في دولهم و سياستهم. حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة و معارف متنوعة و حسن نظر و تثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق و ينكبان به عن المزلات و المغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل و لم تحكم أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و لا قيس الغائب منها بالشاهد و الحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور و مزلة القدم و الحيد عن جادة الصدق و كثيراً ما وقع للمؤرخين و المفسرين و أئمة النقل من المغالط في الحكايات و الوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً و لم يعرضوها على أصولها و لا قاسوها بأشباهها و لا سبروها بمعيار الحكمة و الوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق و تاهوا في بيداء الوهم و الغلط و لا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال و العساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر و لا بد من ردها إلى الأصول و عرضها على القواعد.


و هذا كما نقل المسعودي و كثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون و يذهل في ذلك عن تقدير مصر و الشام و اتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها و تقوم بوظائفها و تضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة و الأحوال المألوفة ثم أن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق مساحة الأرض عنها و بعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ثلاثاً أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين و شيىء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر و الحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.

و لقد كان ملك الفرس و دولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير يشهد لذلك ما كان من غلب بختنصر لهم و التهامه بلادهم و استيلائه على أمرهم و تخريب بيت المقدس قاعدة ملتهم و سلطانهم و هو من بعض عمال مملكة فارس يقال إنه كان مرزبان المغرب من تخومها و كانت ممالكهم بالعراقين و خراسان و ما وراء النهر و الأبواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير و مع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد و لا قريباً منه و أعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة و عشرين ألفاً كلهم متبوع على ما نقله سيف قال و كانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف و عن عائشة و الزهري فأن جموع رستم الذين زحف بهم سعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفاً كلهم متبوع و أيضاً فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد لاتسع نطاق ملكهم و انفسح مدى دولتهم فإن العمالات و الممالك في الدول على نسبة الحامية و القبيل القائمين بها في قتلها و كثرتها حسبما نبين في فضل الممالك من الكتاب الأول و القوم لم تتسع ممالكهم إلى غير الأردن و فلسطين من الشام و بلاد يثرب و خيبر من الحجاز على ما هو المعروف. و أيضاً فالذي بين موسى و إسرائيل إنما في أربعة آباء على ما ذكره المحققون فإنه موسى بن عمران بن يصهر بن قاهت بفتح الهاء وكسرها ابن لاري بكسر الواو و فتحها ابن يعقوب و هو إسرائيل الله هكذا نسبه في التوراة و المدة بينهما على ما نقله المسعودي قال دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط و أولادهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفساً و كان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلام إلى التيه مائتين و عشرين سنة تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة و يبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد و إن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما كان في زمن سليمان و من بعده فبعيد أيضاً إذ ليس بين سليمان و إسرائيل إلا أحد عشر أباً فإنه سليمان بن داود بن يشا بن عوفيذ و يقال ابن عوفذ ابن باعز و يقال بوعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب و يقال حميناذاب بن رم بن حصرون و يقال حسرون بن بارس و يقال ببرس بن يهوذا بن يعقوب و لا يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى مثل هذا العدد الذي زعموه اللهم إلى المئتين و الآلاف فربما يكون و أما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد و اعتبر ذلك في الحاضر المشاهد و القريب المعروف تجد زعمهم باطلاً و نقلهم كاذباً.

و الذي ثبت في الاسرائيليات أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفاً خاصة و أن مقرباته كانت ألفاً و أربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه هذا هو الصحيح من أخبارهم و لا يلتفت إلى خرافات العامة منهم و في أيام سليمان عليه السلام و ملكه كان عنفوان دولتهم و أتساع ملكهم هذا و قد نجد الكافة من أهل المصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريباً منه و تفاوضوا في الأخبار عن جيوش المسلمين أو النصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات و خراج السلطان و نفقات المترفين و بضائع الأغنياء الموسرين توغلوا في العدد و تجاوزوا حدود العوائد و طاوعوا وساوس الأعراب فإذا استكشف أصحاب الدواوين عن عساكرهم و استنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم و فوائدهم و استجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما يعدونه و ما ذلك إلا لولوع النفس يالغرائب و سهولة التجاوز على اللسان و الغفلة على المتعقب و المنتقد حتى لا يحاسب نفسه على خطإ و لا عمد و لا يطالبه في الخبر بتوسط و لا عدالة ولا يرجعها إلى بحث و تفتيش فيرسل عنانه و يسيم في مراتع الكذب لسانه و يتخذ آيات الله هزءاً و يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله و حسبك بها صفقة خاسرة. و من الأخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن و جزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقية و البربر من بلاد المغرب و أن أفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الأول و كان لعهد موسى عليه السلام أو قبله بقليل غزا أفريقية و أثخن في البربر و أنه الذي سماهم بهذا الاسم حين سمع رطانتهم و قال ما هذه البربرة فأخذ هذا الاسم عنه و دعوا به من حينئذ و أنه لما انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل من حمير فأقاموا بها و اختلطوا بأهلها و منهم صنهاجة و كتامة و من هذا ذهب الطبري و الجرجاني و المسعودي و ابن الكلبي و البيلي إلى أن صنهاجة و كتامة من حمير وتاباه نسابة البربر و هو الصحيح و ذكر المسعودي أيضاً أن ذا الإذعار من ملوكهم قبل أفريقش و كان على عهد سليمان عليه السلام غزا المغرب و دوخه و كذلك ذكر مثله عن ياسر ابنه من بعده و إنه بلغ وادي الرمل في بلاد المغرب و لم يجد فيه مسلكاً لكثرة الرمل فرجع و كذلك يقولون في تبع الآخر و هو أسعد أبو كرب و كان على عهد يستأنف من ملوك الفرس الكيانية أنه ملك الموصل و أذربيجان و لقي الترك فهزمهم و أثخن ثم غزاهم ثانية و ثالثة كذلك و أنه بعد ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس و إلى بلاد الصغد من بلاد أمم الترك وراء النهر و إلى بلاد الروم فملك الأول البلاد إلى سمرقند و قطع المفازة إلى الصين فوجد أخاه الثاني الذي غزا إلى سمرقند قد سبقه إليها ثم فأثخنا في بلاد الصين و رجعا جميعاً بالغنائم و تركوا ببلاد الصين قبائل من حمير فهم بها إلى هذا العهد و بلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها و دوخ بلاد الروم و رجع. و هذه الأخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم و الغلط و أشبه بأحاديث القصص الموضوعة. و ذلك أن ملك التبابعة إنما كان بجزيرة العرب و قرارهم و كرسيهم بصنعاء اليمن. و جزيرة العرب يحيط بها البحر من ثلاث جهاتها فبحر الهند من الجنوب و بحر فارس الهابط منه إلى البصرة من المشرق و بحر السويس الهابط منه إلى السويس من أعمال مصر من جهة المغرب كما تراه في مصور الجغرافيا فلا يجد السالكون من اليمن إلى المغرب طريقاً من غير السويس و المسلك هناك ما بين بحر السويس و البحر الشامي قدر مرحلتين فما دونهما و يبعد أن يمر بهذا المسلك ملك عظيم في عساكر موفورة من غير أن يصير من أعماله هذه ممتنع في العادة. و قد كان بتلك الأعمال العمالقة و كنعان بالشام و القبط بمصر ثم ملك العمالقة مصر و ملك بنو إسرائيل الشام و لم ينقل قط أن التبابعة حاربوا أحداً من هؤلاء الأمم. و لا ملكوا شيئاً من تلك الأعمال و أيضاً فالشقة من البحر إلى المغرب بعيدة و الأزودة و العلوفة للعساكر كثيرة فإذا ساروا في غير أعمالهم احتاجوا إلى انتهاب الزرع و النعم و انتهاب البلاد فيما يمرون عليه و لا يكفي ذلك للأزودة و للعلوفة عادة و إن نقلوا كفايتهم من ذلك من أعمالهم فلا تفي لهم الرواحل بنقله فلا بد و أن يمروا في طريقهم كلها بأعمال قد ملكوها و دوخوها لتكون الميرة منها و إن قلنا أن تلك العساكر تمر بهؤلاء الأمم من غير أن تهيجهم فتحصل لهم الميرة بالمسالمة فذلك أبعد و أشد امتناعاً فدل على أن هذه الأخبار واهية أو موضوعة.

و أما وادي الرمل الذي يعجز السالك فلم يسمع قط في ذكره في المغرب على كثرة سالكه و من يقص طرقه من الركاب و القرى في كل عصر و كل جهة و هو على ما ذكروه من الغرابة تتوفر الدواعي على نقله. و أما غزوهم بلاد الشرق و أرض الترك و إن كان طريقه أوسع من مسالك السويس إلا أن الشقة هنا أبعد و أمم فارس و الروم معترضون فيها دون الترك و لم نقل قط أن التبابعة ملكوا بلاد فارس و لا بلاد الروم و إنما كانوا يحاربون أهل فارس على حدود بلاد العراق و ما بين البحرين و الحيرة و الجزيرة بين دجلة و الفرات و ما بينهما في الأعمال و قد وقع ذلك بين ذي الإذعار منهم و كيكاوس من ملوك الكيانية و بين تبع الأصغر أبي كرب و يستاسف معهم أيضاً و مع ملوك الطوائف بعد الكيانية و الساسانية في من بعدهم بمجاوزة أرض فارس بالغزو إلى بلاد الترك و التبت و هو ممتنع عادة من بعدهم أجل الأمم المعترضة منهم و الحاجة إلى الأزودة و العلوفات مع بعد الشقة كما مر فالأخبار بذلك واهية مدخولة و هي لو كانت صحيحة النقل لكان ذلك قادحاً فيها فكيف و هي لم تنقل من وجه صحيح و قول ابن إسحاق في خبر يثرب و الأوس و الخزرج أن تبعاً الآخر سار إلى المشرق محمولاً على العراق و بلاد فارس و أما بلاد الترك و التبت فلا يصح غزوهم إليها بوجه لما تقرر فلا تثق بما يلقى إليك من ذلك و تأمل الأخبار و أعرضها على القوانين الصحيحة يقع لك تمحيصها بأحسن وجه و الله الهادي إلى الصواب....


تصنيف:مقدمة ابن خلدون

فصل ـ القسم الثاني من المقدمة Edit

في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و الالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط و ذكر شيىء من أسبابهاEdit

و أبعد من ذلك و أعرق في الوهم ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة و الفجر في قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد فيجعلون لفظة إرم اسماً لمدينة وصفت بأنها ذات عماد أي أساطين و ينقلون أنه كان لعاد بن عوص بن إرم ابنان هما شديد و شداد ملكا من بعده و هلك شديد فخلص الملك لشداد و دانت له ملوكهم و سمع وصف الجنة فقال لأبنين مثلها فبنى مدينة إرم في صحارى عدن في مدة ثلثمائة سنة و كان عمره تسعمائة سنة و أنها مدينة عظيمة قصورها من الذهب و أساطينها من الزبرجد و الياقوت و فيها أصناف الشجر و الأنهار المطردة و لما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته حتى إذا كان منها على مسيرة يوم و ليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا كلهم. ذكر ذلك الطبري و الثعالبي و الزمخشري و غيرهم من المفسرين و ينقلون عن عبد الله بن قلابة من الصحابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها و حمل منها ما قدر عليه و بلغ خبره معاوية فأحضره و قص عليه فبحث عن كعب الأخبار و سأله عن ذلك فقال هي إرم ذات العماد من سيدخلها رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال و على عنقه خال يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال هذا و الله ذلك الرجل.

و هذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيىء من بقاع الأرض و صحارى عدن التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن و مازال عمرانه متعاقباً و الأدلاء تقص طرقه من كل وجه و لم ينقل عن هذه المدينة خبر و لا ذكرها أحد من الإخباريين و لا من الأمم و لو قالوا أنها درست فيما درس من الآثار لكان أشبه إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة و بعضهم يقول أنها دمشق بناء على أن قوم عاد ملكوها و قد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة و إنما يعثر عليها أهل الرياضة و السحر مزاعم كلها أشبه بالخرافات و الذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظة ذات العماد أنها صفة إرم و حملوا العماد على الأساطين فتعين أن يكون بناء و رشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير عاد إرم على الإضافة من غير تنويون ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات و إلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام و إن أريد بها الأساطين فلا بدع في وصفهم بأنهم أهل بناء و أساطين على العموم بما اشتهر من قوتهم لأنه بناء خاص في مدينة معينة أو غيرها و إن أضيفت كما في قراءة ابن الزبير فعلى إضافة الفصيلة إلى القبيلة كما تقول قريش كنانة و إلياس مضر و ربيعة نزار أي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي تمحلت لتوجيهه لأمثال هذه الحكايات الواهية التي ينزه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصحة.

و من الحكايات المدخولة للمؤرخين ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه و أنه لكلفه بمكانهما من معاقرته إياهما الخمر أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصاً على اجتماعهما في مجلسه و أن العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة به لما شغفها من حبه حتى واقعها زعموا في حالة السكر فحملت و وشي بذلك للرشيد فاستغضب و هيهات ذلك من منصب العباسة في دينها و أبويها و جلالها و أنها بنت عبد الله بن عباس و ليس بينها و بينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين و عظماء الملة من بعده. و العباسة بنت محمد المهدي ابن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد السجاد ابن علي أبي الخلفاء ابن عبد الله ترجمان القرآن ابن العباس عم النبي صلى الله عليه و سلم ابنة خليفة أخت خليفة محفوفة بالملك العزيز و الخلافة النبوية و صحبة الرسول و عمومته و إقامة الملة و نور الوحي و مهبط الملائكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبية و سذاجة الذين البعيدة عن عوائد الترف و مراتع الفواحش فأين يطلب الصون و العفاف إذا ذهب عنها أو أين توجد الطهارة و الذكاء إذا فقدا من بيتها أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى و تدنس شرفها العربي بمولى من موالي العجم بملكة جده من الفرس أو بولاء جدها من عمومة الرسول و أشراف قريش و غايته أن جذبت دولتهم بضبعه وضبع أبيه و استخلصتهم و رقتهم إلى منازل الأشراف و كيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على بعد همته و عظم آبائه و لو نظر المتأمل في ذلك نظر المنصف و قاس العباسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه لاستنكف لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها و في سلطان قومها و استنكره و لج في تكذيبه و ابن قدر العباسة و الرشيد من الناس.

و إنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة و احتجافهم أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه فغلبوه على أمره و شاركوه في سلطانه و لم يكن له منهم تصرف في أمور ملكه فعظمت آثارهم و بعد صيتهم و عمروا مراتب الدولة و خططها بالرؤساء من ولدهم و صنائعهم و احتازوها عمن سواهم من وزارة و كتابة و قيادة و حجابة و سيف و قلم. يقال إنه كان بدار الرشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة و عشرون رئيساً من بين صاحب سيف و صاحب قلم زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب و دفعوهم عنها بالراح لمكان أبيهم يحيى بن كفالة هارون ولي عهد و خليفة حتى شب في حجره و درج من عشه و غلب على أمره و كان يدعوه يا أبت فتوجه الإيثار من السلطان إليهم وعظمت الدالة منهم و انبسط الجاه عندهم و انصرفت نحوهم الوجوه و خضعت لهم الرقاب و قصرت عليهم الآمال و تخطت إليهم من أقصى التخوم هدايا الملوك و تحف الأمراء و تسربت إلى خزائنهم في سبيل التزلف و الاستمالة أموال الجباية و أفاضوا في رجال الشيعة و عظماء القرابة العطاء و طوقوهم المنن و كسبوا من بيوتات الأشراف المعدم و فكوا العاني و مدحوا بما لم يمدح به خليفتهم و أسنوا لعفاتهم الجوائز و الصلات و استولوا على القرى و الضياع من الضواحي و الأمصار في سائر الممالك حتى أسفوا البطالة و أحقدوا الخاصة و أغصوا أهل الولاية فكشفت لهم وجوه المنافسة و الحسد و دبت إلى مهادهم الوثير من الدولة عقارب السعاية حتى لقد كان بنو خطبة أخوال جعفر من أعظم الساعين عليهم لم تعطفهم لما وقر في نفوسهم من الحسد عواطف الرحم و لا وزعتهم أواصر القرابة و قارن ذلك عند مخدومهم نواشيء الغيرة و الاستنكاف من الحجر و الأنفة و كان الحقود التي بعثتها منهم صغائر الدالة. و انتهى بها الإصرار على شأنهم إلى كبائر المخالفة كقصتهم في يحيى بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي محمد المهدي الملقب بالنفس الزكية الخارج على المنصور و يحيى هذا هو الذي استنزله الفضل بن يحيى من بلاد الديلم على أمان الرشيد بخطه و بذل لهم فيه ألف ألف درهم على ما ذكره الطبري و دفعه الرشيد إلى جعفر و جعل اعتقاله بداره و إلى نظره فحبسه مدة ثم حملته الدالة على تخلية سبيله و الاستبداد بحل عقاله حرماً لدماء أهل البيت بزعمه و دالة على السلطان في حكمه. و سأله الرشيد عنه لما و شي به أليه ففطن و قال أطلقته فأبدى له وجه الاستحسان و أسرها في نفسه فأوجد السبيل بذلك على نفسه و قومه حتى ثل عرشهم و ألقيت عليهم سماؤهم و خسفت الأرض بهم و بدارهم و ذهبت سلفاً و مثلاً للآخرين أيامهم و من تأمل أخبارهم و استقصى سير الدولة و سيرهم وجد ذلك محقق الأسر ممهد الأسباب و انظر ما نقله ابن عبد ربه في مفاوضة الرشيد عم جده داود بن علي في شأن نكبتهم و ما ذكره في باب الشعراء في كتاب العقد به محاورة الأصمعي للرشيد و للفضل بن يحيى في سمرهم تتفهم أنه إنما قتلتهم الغيرة و المنافسة في الاستبداد من الخليفة فمن دونه و كذلك ما تحيل به أعداؤهم من البطانة فيما دسوه للمغنين من الشعر احتيالاً على إسماعه للخليفة و تحريك حفائظه لهم و هو قوله: ليت هنداً أنجزتنا ما تعد و شفت أنفسنا مما نجد و استبدت مرةً واحدةًإنما العاجز من لايستبد

و إن الرشيد لما سمعها قال أي و الله إني عاجز حتى بعثوا بأمثالي هذه كامن غيرته و سلطوا عليهم بأس انتقامه نعوذ بالله من غلبة الرجال و سوء الحال. و أما ما تموه له الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر و اقتران سكره بسكر الندمان فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء و أين هذا من حال الرشيد و قيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين و العدالة و ما كان عليه من صحابة العلماء و الأولياء و محاوراته للفضيل بن عياض و ابن السمك و العمري و مكاتبته سفيان الثوري و بكائه من مواعظهم و دعائه بمكة في طوافه و ما كان عليه من العبادة و المحافظة على أوقات الصلوات و شهود الصبح لأول وقتها. حكى الطبري و غيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة و كان يغزو عاماً و يحج عاماً و لقد زجر ابن أبي مريم مضحكه في سمره حين تعرض له بمثل ذلك في الصلاة لما سمعه يقرأ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون و قال و الله ما أدري لم ؟ فما تمالك الرشيد أن ضحك ثم التفت إليه مغضباً و قال يا ابن أبي مريم في الصلاة أيضاً إياك إياك و القرآن و الدين و لك ما شئت بعدهما و أيضاً فقد كان من العلم و السذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين لذلك و لم يكن بينه و بين جده أبي جعفر بعيد زمن إنما خلفه غلاماً و قد كان أبو جعفر بمكان من العلم و الدين قبل الخلافة و بعدها و هو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطإ يا أبا عبد الله إنه لم يبقى على وجه الأرض أعلم مني و منك و إني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتاباً ينتفعون به تجنب فيه رخص ابن عباس و شدائد ابن عمر و وطئه للناس توطئة قال مالك فوالله. لقد علمني التصنيف يومئذ و لقد أدركه ابنه المهدي أبو الرشيد هذا و هو يتورع عن كسوة الجديد لعياله من بيت المال و دخل عليه يوماً و هو بمجلسه يباشر الخياطين في إرقاع الخلقان من ثياب عياله فاستنكف المهدي من ذلك و قال يا أمير المؤمنين على كسوة هذه العيال عامناً هذا من عطائي فقال له لك ذلك و لم يصده عنه و لا سمح بالإنفاق فيه من أموال المسلمين فكيف يليق بالرشيد على قرب العهد من هذا الخليفة و أبوته و ما ربي عليه من أمثال هذه السير في أهل بيته و التخلق بها أن يعاقر الخمر أو يجاهر بها و قد كانت حالة الأشراف من العرب الجاهلية في اجتناب الخمر معلومة و لم يكن الكرم شجرتهم و كان شربها مذمة عند الكثير منهم و الرشيد و آباؤه كانوا على ثبج من اجتناب المذمومات في دينهم و دنياهم و التخلق بالمحامد و أوصاف الكمال و نزعات العرب. و انظر ما نقله الطبري و المسعودي في في قصة جبريل بن بختيشوع الطبيب حين أحضر له السمك في مائدته فحماه عنه ثم أمر صاحب المائدة بحمله إلى منزله و فطن الرشيد و ارتاب به و دس خادمه حتى عاينه يتناوله فاعد ابن بختيشوع للاعتذار ثلاث قطع من السمك في ثلاثة أقداح خلط إحداها باللحم المعالج بالتوابل و البقول و البوارد و الحلوى و صب على الثانية ماءً مثلجاً و على الثالثة خمراً صرفاً و قال في الأول و الثاني هذا طعام أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره أو لم يخلطه و قال في الثالث هذا طعام ابن بختيشوع و دفعها إلى صاحب المائدة حتى إذا انتبه الرشيد و أحضره للتوبيخ، أحضر الثلاثة الأقداح فوجد صاحب الخمر قد اختلط و أماع و تفتت و وجد الآخرين قد فسدا و تغيرت رائحتهما فكانت له في ذلك معذرة و تبين من ذلك أن حال الرشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته و أهل مائدته و لقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة حتى تاب و أقلع و إنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق و فتاويهم فيها معروفة و أما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه بها و لا تقليد الأخبار الواهية فيها فلم يكن الرجل بحيث يواقع محرماً من أكبر الكبائر عند أهل الملة و لقد كان أولئك القوم كلهم بمنحاة من ارتكاب السرف و الترف في ملابسهم و زينتهم و سائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة و سذاجة الدين التي لم يفارقوها بعد فما ظنك بما يخرج عن الإباحة إلى الحظر و عن الحلة إلى الحرمة و لقد اتفق المؤرخون الطبري و المسعودي و غيرهم على أن جميع من سلف من خلفاء بني أمية و بني العباس إنما كانوا يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة في المناطق و السيوف و اللجم و السروج و أن أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب هو المعتز بن المتوكل ثامن الخلفاء بعد الرشيد و هكذا كان حالهم أيضاً في ملابسهم فما ظنك بمشاربهم و يتبين ذلك بأتم من هذا إذا فهمت طبيعة الدولة في أولها من البداوة و الغضاضة كما نشرح في مسائل الكتاب الأول إن شاء الله و الله الهادي إلى الصواب. و يناسب هذا أو قريب منه ما ينقلونه كافة عن يحيى بن أكثم قاضي المأمون و صاحبه و أنه كان يعاقر الخمر و أنه سكر ليلة مع شربه فدفن في الريحان حتى أفاق و ينشدون على لسانه: يا سيدي و أمير الناس كلهم قد جار في حكمه من كان يسقيني إني غفلت عن الساقي فصيرني كما تراني سليب العقل و الدين

و حال ابن أكثم و المأمون في ذلك من حال الرشيد و شرابهم إنما كان النبيذ و لم يكن محظوراً عندهم و أما السكر فليس من شأنهم و صحابته للمأمون إنما كانت خلة في الدين و لقد ثبت أنه كان ينام معه في البيت و نقل في فضائل المأمون و حسن عشرته أنه انتبه ذات ليلة عطشان فقام يتحسس و يتلمس الإناء مخافة أن يوقظ يحيى بن أكثم و ثبت أنهما كانا يصليان الصبح جميعاً فإن هذا من المعاقرة و أيضاً فإن يحيى بن أكثم كان من علية أهل الحديث و قد أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل و إسماعيل القاضي و خرج عنه التزمذي كتابه الجامع و ذكر المزني الحافظ أن البخاري روى عنه في غير الجامع فالقدح فيه قدح في جميعهم و كذلك ما ينبزه المجان بالميل إلى الغلمان بهتاناً على الله و فرية على العلماء و يستندون في ذلك إلى أخبار القصاص الواهية التي لعلها من افتراء أعدائه فإنه كان محسوداً في كماله خلته للسلطان و كان مقامه من العلم و الدين منزهاً عن مثل ذلك و قد ذكر لابن حنبل ما يرميه به الناس فقال سبحان الله سبحان الله و من يقول هذا و أنكر ذلك إنكاراً شديداً وأثنى عليه إسماعيل القاضي فقيل له ما كان يقال فيه فقال معاذ الله أن تزول عدالة مثله بتكذيب باغ و حاسد و قال أيضاً يحيى بن أكثم أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شيىء مما كان يرمى به من أمر الغلمان و لقد كنت أقف على سرائره فأجده شديد الخوف من الله لكنه كانت فيه دعابة و حسن خلق فرمى بما رمى به ابن حيان في الثقات و قال لا يشتغل بما يحكى عنه لأن أكثرها لا يصح عنه و من أمثال هذه الحكايات ما نقله ابن عبد ربه صاحب العقد من حديث الزنبيل في سبب إصهار المأمون إلى الحسن بن سهل في بنته بوران و أنه عثر في بعض الليالي في تطوافه بسكك بغداد في زنبيل مدلى من بعض السطوح بمعالق و جدل مغارة الفتل من الحرير فاعتقده و تناول المعالق فاهتزت و ذهب به صعداً إلى مجلس شأنه كذا و وصف من زينة فرشه و تنصيد ابنته و جمال رؤيته ما يستوقف الطرف و يملك النفس و أن امرأة برزت له من خلل الستور في ذلك المجلس رائقة الجمال فتانة المحاسن فحيته و دعته إلى المنادمة فلم يزل يعاقرها الخمر حتى الصباح و رجع إلى أصحابه بمكانهم من انتظاره و قد شغفته حباً بعثه على الإصهار إلى أبيها و أين هذا كله من حال المأمون المعروفة في دينه و علمه و اقتفائه سنن الخلفاء الراشدين من آبائه و أخذه بسير الخلفاء الأربعة أركان الملة و مناظرته العلماء و حفظه لحدود الله تعالى في صلواته، أحكامه فكيف تصح عنه أحوال الفساق المستهترين في التطواف بالليل و طروق المنازل و غشيان السمر سبيل عشاق الأعراب و أين ذلك من منصب ابنة الحسن بن سهل و شرفها و ما كان بدار أبيها من الصون و العفاف و أمثال هذه الحكايات كثيرة و في كتب المؤرخين معروفة و إنما يبعث على وضعها و الحديث بها الانهماك في اللذات المحرمة و هتك قناع المخدرات و يتعللون بالتأسي بالقوم فيما يأتونه من طاعة لذاتهم فلذلك تراهم كثيراً ما يلهجون بأشباه هذه الأخبار و ينقرون عنها عند تصفحهم لأوراق الدواوين و لو ائتسوا بهم في غير هذا من أحوالهم و صفات الكمال اللائقة بهم المشهورة عنهم لكان خيراً لهم لو كانوا يعلمون. و لقد عذلت يوماً بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء و ولوعه بالأوتار و قلت له ليس هذا من شأنك و لا يليق بمنصبك فقال لي أفلا ترى إلى إبراهيم بن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة و رئيس المغنين في زمانه فقلت له يا سبحان الله و هلا تأسيت بأبيه أو أخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم فصم عن عذلي و أعرض و الله يهدي من يشاء. و من الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين و الأثبات في العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان و القاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم و الطعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام ابن جعفر الصادق يعتمدون في ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس تزلفاً إليهم بالقدح فيمن ناصبهم و تفنناً في الشمات بعدوهم حسبما تذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم و يغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات و أدلة الأحوال التي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم و الرد عليهم.


فإنهم متفقون في حديثهم عن مبدأ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعي بكتامة للرضى من آل محمد و اشتهر خبره و علم تحويمه على عبيد الله المهدي و ابنه أبي القاسم خشيا على أنفسهما فهربا من المشرق محل الخلافة و اجتازا بمصر و أنهما خرجا من الاسكندرية في زي التجار و نمي خبرهما إلى عيسى النوشري عامل مصر و الاسكندرية فسرح في طلبهما الخيالة حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبسوا به من الشارة و الزي فأفلتوا إلى المغرب. و أن المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء أفريقيا بالقيروان و بني مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما وإذكاء العيون في طلبهما فعثر اليشع صاحب سجلماسة من آل مدرار على خفي مكانهما ببلده و اعتقلهما مرضاة للخليفة. القسم الثالث من المقدمة في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و الالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها.


هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بالمغرب و أفريقية ثم باليمن ثم بالاسكندرية ثم بمصر و الشام و الحجاز و قاسموا بني العباس في ممالك الإسلام شق الأبلمة و كادوا يلجون عليهم مواطنهم و يزايلون من أمرهم و لقد أظهر دعوتهم ببغداد و عراقها الأمير البساسيري من موالي الديلم المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبت جرت بينه و بين أمراء العجم و خطب لهم على منابرها حولاً كاملاً و مازال بنو العباس يغصون بمكانهم و دولتهم و ملوك بني أمية وراء البحر ينادون بالويل و الحرب منهم و كيف يقع هذا كله لدعي في النسب يكذب في انتحال الأمر و اعتبر حال القرمطي إذ كان دعياً في انتسابه كيف تلاشت دعوته و تفرقت اتباعه و ظهر سريعاً على خبثهم و مكرهم فساءت عاقبتهم و ذاقوا و بال أمرهم و لو كان أمر العبيد بين كذلك لعرف و لو بعد مهلة: ومهما يكن عند امرىء من خليقة و إن خالها تخفى على الناس تعلم فقد اتصلت دولتهم نحواً من مائين و ستين سنة و ملكوا مقام إبراهيم عليه السلام و مصلاه و موطن الرسول صلى الله عليه وسلم و مدفنه و موقف الحجيج و مهبط الملائكة ثم انقرض أمرهم و شيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم و الحب فيهم و اعتقادهم بنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق و لقد خرخوا مراراً بعد ذهاب الدولة و دروس أثرها داعين إلى بدعتهم هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة و يذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الأيمة و لو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار في الانتصار لهم فصاحب البدعة لا يلبس في أمره و لا يشبه في بدعته و لا يكذب نفسه فيما ينتحله. والعجب من القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من المتكلمين كيف يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة و يرى هذا الرأي الضعيف فأن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد في الدين و التعمق في الرافضية فليس ذلك بدافع في صدر دعوتهم و ليس إثبات منتسبهم بالذي يغني عنهم من الله شيئاً في كفرهم فقد قال تعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم و قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يعظها يا فاطمة إعملي فلن أغني عنك من الله شيئاً و متى عرف امرؤ قضيةً و استيقن أمراً وجب عليه أن يصدع به و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل و القوم كانوا في مجال الظنون الدول بهم و تحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم و انتشارهم في القاصية بدعوتهم و تكرر خروجهم مرة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء و لم يكادوا يعرفون كما قيل:

فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت و أين مكاني ما عرفن مكانيا

حتى لقد سمي محمد بن إسماعيل الامام جد عبد الله المهدي بالمكتوم سمته بذلك شيعتهم لما إتفقوا عليه من إخفائه حذراً من المتغلبين عليهم فتوصل شيعة بني العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم و ازدلفوا بهذا الرأي القائل للمستضعفين من خلفائهم و أعجب به أولياؤهم و أمراء دولتهم المتولون لحروبهم مع الأعداء يدفعون به عن أنفسهم و سلطانهم معرة العجز عن المقاومة و المدافعة لمن غلبهم على الشام و مصر و الحجاز من البربر الكتامين شيعة العبيديين و أهل دعوتهم حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم عن هذا النسب و شهد بذلك عندهم من أعلام الناس جماعة منهم الشريف الرضي و أخوة المرتضى و ابن البطحاوي و من العلماء أبو حامد الأسفراييني و القدوري و الصيمري و ابن الأكفاني و الأبيوردي و أبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة و غيرهم من أعلام الأمة ببغداد في يوم مشهود و ذلك سنة ستين و أربعمائة في أيام القادر و كانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد و غالبها شيعة بني العباس الطاعنون في هذا النسب فنقله الأخباريون كما سمعوه و رووه حسبما وعوه و الحق من ورائه.

و في كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان و ابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد و أوضح دليل على صحة نسبهم فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد و الدولة و السلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع تلتمس في ضوال الحكم تحدى إليه ركائب الروايات و الأخبار و ما نفق فيها نفق عند الكافة فأن تنزهت الدولة عن التعسف و الميل و الأفن و السفسفة و سلكت النهج الأمم و لم تجر عن قصد السبيل نفق في سوقها الأبريز الخالص و اللجين المصفى و أن ذهبت مع الأغراض و الحقود و ماجت بسماسرة العرب البغي و الباطل نفق البهرج و الزائف و الناقد البصير قسطاس نظره و ميزان بحثه و ملتمسه.

و مثل هذا و أبعد منه كثيراً ما يتناجى به الطاعنون في نسب إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم الإمام بعد أبيه بالمغرب الأقصى و يعرضون تعريض الحد بالتظنن في الحمل المخلف عن إدريس الأكبر إنه لراشد مولاهم قبحهم الله و أبعدهم ما أجهلهم أما يعلمون أن إدريس الأكبر كان إصهاره في البربر و إنه منذ دخل المغرب إلى أن توفاه الله عز و جل عريق في البدو و أن حال البادية في مثل ذلك غير خافية لا مكامن لهم يتأتى فيها الريب و أحوال حرمهم أجمعين بمزأى من جاراتهن و مسمع من جيرانهن لتلاصق الجدران و تطافن البنيان و عدم الفواصل بين المساكن و قد كان راشد يتولى خدمة الحرم أجمع من بعد مولاه بمشهد من أوليائهم و شيعتهم و مراقبة من كافتهم و قد أتفق برابرة المغرب الأقصى عامة على بيعة إدريس الأصغر من بعد أبيه و آتوه طاعتهم عن رضى و إصفاق و بايعوه على الموت الأحمر و خاضوا دونه بحار المنايا في حروبه و غزواته و لو حدثوا أنفسهم بمثل هذه الريبة أو قرعت أسماعهم و لو من عدو كاشح أو منافق مرتاب لتخلف عن ذلك و لو بعضهم كلا و الله إنما صدرت هذه الكلمات من بني العباس أقتالهم و من بني الأغلب عمالهم كانوا بأفريقية و ولاتهم. و ذلك إنه لما فر إدريس الأكبر إلى المغرب من وقعة بلخ أوعز الهادي إلى الأغالبة أن يقعدوا له بالمراصد و يذكوا عليه العيون فلم يظفروا به و خلص إلى المغرب فتم أمره و ظهرت دعوته و ظهر الرشيد من بعد ذلك على ما كان من واضح مولاهم و عاملهم على الاسكندرية من دسيسة التشيع للعلوية و إدهانه في نجاة إدريس إلى المغرب فقتله و دس الشماخ من موالي المهدي أبيه للتحيل على قتل إدريس فأظهر اللحاق به و البراءة من بني العباس مواليه فاشتمل عليه إدريس و خلطه بنفسه و ناوله الشماخ في بعض خلواته سماً استهلكه به و وقع خبر مهلكه من بني العباس أحسن المواقع لما رجوه من قطع أسباب الدعوة العلوية بالمغرب و اقتلاع جرثومتها و لما تأدى إليهم خبر الحمل المخلف لإدريس فلم يكن لهم إلا كلا و لا إذا بالدعوة قد عادت و الشيعة بالمغرب قد ظهرت و دولتهم بإدريس بن إدريس قد تجددت فكان ذلك عليهم أنكى من و وقع الشهاب وكان الفشل و الهرم قد نزلا بدولة العرب عن أن يسموا إلى القاصية فلم يكن منتهى قدرة الرشيد على إدريس الأكبر بمكانه من قاصية المغرب و اشتمال البربر عليه إلا التحيل في إهلاكه بالسموم فعند ذلك فزعوا إلى أوليائهم من الأغالبة بأفريقية في سد تلك الفرجة من ناحيتهم و حسم الداء المتوقع بالدولة من قبلهم و اقتلاع تلك العروق قبل أن تشج منهم يخاطبهم بذلك المأمون و من بعده من خلفائهم فكان الأغالبة عن برابرة المغرب الأقصى أعجز و لمثلها من الزبون على ملوكهم أحوج لما طرق الخلافة من انتزاء ممالك العجم على سدتها و امتطائهم صهوة التغلب عليها و تصريفهم أحكامها طوع أغراضهم في رجالها و جبايتها و أهل خططها و سائر نقضها و إبرامها كما قال شاعرهم: خليفة في قفص بين وصيف و بغا يتوك ماقالا له كما تقول الببغا

فخشي هؤلاء الأمراء الأغالبة بوادر السعايات و تلوا بالمعاذير فطوراً باحتقار المغرب و أهله و طوراً بالإرهاب بشأن إدريس الخارج به ومن قام مقامه من أعقابه يخاطبونه بتجاوزه حدود التخوم من عمله و ينفذون سكته في تحفهم و هداياهم و مرتفع جبايتهم تعريضاً باستفحاله و تهويلاً باشتداد شوكته و تعظيماً لما دفعوا إليه من مطالبته و مراسه و تهديداً بقلب الدعوة إن ألجئوا إليه و طوراً يطعنون في نسب إدريس بمثل ذلك الطعن الكاذب تخفيضاً لشأنه لا يبالون بصدقه من كذبه لبعد المسافة و أفن عقول من خلف بن صبية بني العباس و ممالكهم العجم في القبول من كل قائل و السمع لكل ناعق و لم يزل هذا دأبهم حتى انقضى أمر الأغالبة فقرعت هذه الكلمة الشنعاء أسماع الغوغاء و صر عليها بعض الطاعنين أذنه و اعتدها ذريعة إلى النيل من خلفهم عند المنافسة. و ما لهم قبحهم الله و العدول عن مقاصد الشريعة فلا تعارض فيها بين المقطوع و المظنون و إدريس ولد على فراش أبيه و الولد للفراش. على أن تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل الإيمان فالله سبحانه قد أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً ففراش إدريس طاهر من الدنس و منزه عن الرجس بحكم القرآن و من اعتقد خلاف هذا فقد باء بإثمه و ولج الكفر من بابه و إنما أطنبت في هذا الرد سداً لأبواب الريب و دفعاً في صدر الحاسد لما سمعته أذناي من قائله المعتدي عليهم القادح في نسبهم بفريته و ينقله بزعمه عن بعض مؤرخين المغرب ممن انحرف عن أهل البيت و ارتاب في الإيمان بسلفهم و إلا فالمحل منزه عن ذلك معصوم منه و نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب لكني جادلت عنهم في الحياة الدنيا و أرجو أن يجادلوا عني يوم القيامة و لتعلم أن أكثر الطاعنين في نسبهم إنما هم الحسدة لأعقاب إدريس هذا من منتهم إلى أهل البيت أو دخيل فيهم فإن ادعاء هذا النسب الكريم دعوى شرف عريضة على الأمم و الأجيال من أهل الآفاق فتعرض التهمة فيه.

و لما كان نسب بني إدريس هؤلاء بمواطنهم من فارس و سائر ديار المغرب قد بلغ من الشهرة و الوضوح مبلغاً لا يكاد يلحق و لا يطمع أحد في دركه إذ هو نقل الأمة و الجيل من الخلف عن الأمة و الجيل من السلف و بيت جدهم إدريس مختط فاس و مؤسسها من بيوتهم و مسجده لصق محلتهم و دروبهم و سيفه منتضى برأس المأذنة العظمى من قرار بلدهم و غير ذلك من آثاره التي جاوزت أخبارها حدود التواتر مرات و كادت تلحق بالعيان فإذا نظر غيرهم من أهل هذا النسب إلى ما أتاهم الله من أمثالها و ما عضد شرفهم النبوي من جلال الملك الذي كان لسلفهم بالمغرب و استيقن أنه بمعزل عن ذلك و أنه لا يبلغ مد أحدهم و لا نصيفه أ و أن غاية أمر المنتمين إلى البيت الكريم ممن لم يحصل له أمثال هذه الشواهد أن يسلم لهم حالهم لأن الناس مصدوقون في أنسابهم و بون ما بين العلم و الظن و اليقين و التسليم فإذا علم بذلك من نفسه غص بريقه و ود كثير منهم لو يردونهم عن شرفهم ذلك سوقة و وضعاء حسداً من عند أنفسهم فيرجعون إلى العناد و ارتكاب اللجاج و البهت بمثل هذا الطعن الفائل و القول المكذوب تعللاً بالمساواة في الظنة و المشابهة في تطرق الاحتمال و هيهات لهم ذلك فليس في المغرب فيما نعلمه من أهل هذا البيت الكريم من يبلغ في صراحة نسبه و وضوحه مبالغ أعقاب إدريس هذا من آل الحسن.

و كبراؤهم لهذا العهد بنو عمران بفاس من ولد يحيى الخوطي بن محمد بن يحيى العوام بن القاسم بن إدريس بن إدريس و هم نقباء أهل البيت هناك و الساكنون ببيت جدهم ادريس و لهم السيادة على أهل المغرب كافة حسبما نذكرهم عند ذكر الأدارسة إن شاء الله تعالى و يلحق بهذه المقالات الفاسدة و المذاهب الفائلة ما يتناوله ضعفة الرأي من فقهاء المغرب من القدح في الإمام المهدي صاحب دولة الموحدين و نسبته إلى الشعوذة و التلبيس فيما أتاه من القيام بالتوحيد الحق و النعي على أهل البغي قبله و تكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك حتى فيما يزعم الموحدون أتباعه من انتسابه في أهل البيت و إنما حمل الفقهاء على تكذيبه ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه فإنهم لما رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم و الفتيا و في الدين بزعمهم ثم امتاز عنهم بأنه متبوع الرأي مسموع القول موطؤ العقب نفسوا ذلك عليه و غضوا منه بالقدح في مذاهبه و التكذيب لمدعياته و أيضاً فكانوا يؤنسون من ملوك المتونة أعدائه تجلةً و كرامةً لم تكن لهم من غيرهم لما كانوا عليه من السذاجة و انتحال الديانة فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة و الإنتصاب للشورى كل في بلده و على قدره في قومه فأصبحوا بذلك شيعة لهم و حرباً لعدوهم و نقموا على المهدي ما جاء به من خلافهم و التثريب عليهم و المناصبة، لهم تشيعاً للمتونة و تعصباً لدولتهم و مكان الرجل غير مكانهم و حاله على غير معتقداتهم و ما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما نقم من أحوالهم و خالف اجتهاده فقهاؤهم فنادى في قومه و دعا إلى جهادهم بنفسه فاقتلع الدولة من أصولها و جعل عاليها سافلها أعظم ما كانت قوةً و أشد شوكة و أعز أنصاراً و حاميةً و تساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقها و قد بايعوه على الموت و وقوه بأنفسهم من الهلكة و تقربوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدعوة و التعصب لتلك الكلمة حتى علت على الكلم و دالت بالعدوتين من الدول و هو بحاله من التقشف و الحصر و الصبر على المكاره و التقلل من الدنيا حتى قبضه الله و ليس على شيىء من الحظ و المتاع في دنياه حتى الولد الذي ربما تجنح أليه النفوس و تخادع عن تمنيه فليت شعري ما الذي قصد بذلك إن لم يكن و جه الله و هو لم يحصل له حظ من الدنيا في عاجله و مع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره و انفسحت دعوته سنة الله التي قد خلت في عباده و أما انكارهم نسبه في أهل البيت فلا تعضده حجة لهم مع أنه إن ثبت أنه ادعاه و انتسب إليه فلا دليل يقوم على بطلانه لأن الناس مصدقون في أنسابهم و إن قالوا أن الرئاسة لا تكون على قوم في غير أهل جلدتهم كما هو الصحيح حسبما يأتي في الفصل الأول من هذا الكتاب و الرجل قد رأس سائر المصامدة و دانوا باتباعه و الانقياد إليه و إلى عصابته من هرغة حتى تم أمر الله في دعوته فأعلم أن هذا النسب الفاطمي لم يكن أمر المهدي يتوقف عليه و لا اتبعه الناس بسببه و إنما كان اتباعهم له بعصبية الهريغة و المصمودية و مكانه منها و رسوخ شجرته فيها و كان ذلك النسب الفاطمي خفياً قد درس عند الناس ليبقى عنده و عند عشيرته يتناقلونه بينهم فيكون النسب الأول كأنه انسلخ منه و لبس جلدة هؤلاء و ظهر فيها فلا يضره الانتساب الأول في عصبيته إذ هو مجهول عند أهل العصابة و مثل هذا واقع كثيراً إذا كان النسب الأول خفياً.

و انظز قصة عرفجة و جرير في رئاسة بجيلة و كيف كان عرفجة من الأزد و لبس جلدة بجيلة حتى تنازع مع جرير رئاستهم عند عمر رضي الله عنه كما هو مذكور تتفهم منه وجه الحق و الله الهادي للصواب و قد كدنا أن نخرج عن غرض الكتاب بالإطناب في هذه المغالط فقد زلت أقدام كثير من الأثبات و المؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديث و الآراء و علقت أفكارهم و نقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر و الغفلة عن القياس و تلقوها هم أيضاً كذلك من غير بحث و لا روية و اندرجت في محفوظاتهم حتى صار فن التاريخ واهياً مختلطاً و ناظره مرتبكاً وعد من مناحي العامة فإذا يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة و طبائع الموجودات و اختلاف الأمم و البقاع و الأعصار في السير و الأخلاق و العوائد و النحل و المذاهب و سائر الأحوال و الإحاطة بالحاضر من ذلك و مماثلة ما بينه و بين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف و تعليل المتفق منها و المختلف و القيام على أصول الدول و الملل و مبادىء ظهورها و أسباب حدوثها و دواعي كونها و أحوال القائمين بها و أخبارهم حتى يكون مستوعباً لأسباب كل خبره و حينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد و الأصول فإن وافقها و جرى على مقتضها كان صحيحاً و إلا زيفه و استغنى عنه و ما استكبر القدماء علم التاريخ إلا لذلك حتى انتحله الطبري و البخاري و ابن إسحاق من قبلهما و أمثالهم من علماء الأمة و قد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حتى صار انتحاله مجهلة و استخف العوام و من لا رسوخ له في المعارف مطالعته و حمله و الخوض فيه و التطفل عليه فاختلط المرعي بالهمل و اللباب بالقشر و الصادق بالكاذب و إلى الله عاقبة الأمور و من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم و الأجيال بتبدل الأعصار و مرور الأيام و هو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة و ذلك أن أحوال العالم و الأمم و عوائدهم و نحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة و منهاح مستقر إنما هو اختلاف على الأيام و الأزمنة و انتقال من حال إلى حال و كما يكون ذلك في الأشخاص و الأوقات و الأمصار فكذلك يقع في الآفاق و الأقطار و الأزمنة و الدول سنة الله التي قد خلت في عباده و قد كانت في العالم أمم الفرس الأولى و السريانيون و النبط و التبابعة و بنو إسرائيل و القبط و كانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم و ممالكهم و سياستهم و صنائعهم و لغاتهم و اصطلاحاتهم و سائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء من بعدهم الفرق الثانية و الروم و العرب فتبدلت تلك الأحوال و انقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها و إلى ما يباينها أو يباعدها ثم جاء الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال و أجمع انقلابة أخرى و صارت إلى ما أكثره فتعارف لهذا العهد بأخذه الخلف عن السلف ثم درست دولة العرب و أيامهم و ذهبت الأسلاف الذين شيدوا عزمهم و مهدوا ملكهم و صار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق و البربر بالمغرب و الفرنجة بالشمال فذهبت بذهابهم أمم و انقلبت أحوال و عوائد نسي شأنها و أغفل أمرها و السبب الشائع في تبدل الأحوال و العوائد أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثال الحكمية الناس على دين الملك و أهل الملك و السلطان إذا استولوا على الدولة و الأمر فلابد من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم و يأخذون الكثير منها و لا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم و مزجت من عوائدهم و عوائدها خالفت أيضاً بعض الشيىء و كانت للأولى أشد مخالفة ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الأمم و الأجيال تتعاقب في الملك و السلطان لا تزال المخالفة في العوائد و الأحوال واقعة. و القياس و المحاكاة للإنسان طبيعة معروفة و من الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول و الغفلة عن قصده و تعوج به عن مرامه فربما يسمع السامع كثيراً من أخبار الماضين و لا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال و انقلابها فيجريها لأول وهلة على ما عرف و يقيسها بما شهد و قد يكون الفرق بينهما كثيراً فيقع في مهواة من الغلط فمن هذا الباب ما ينقله المؤرخون من أحوال الحجاج و أن أباه كان من المعلمين مع أن التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشية البعيدة من اعتزاز أهل العصبية و المعلم مستضعف مسكين منقطع الجذم فيتشوف الكثير من المستضعفين أهل الحرف و الصنائع المعاشية إلى نيل الرتب التي ليسوا لها بأهل و يعدونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع و ربما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة و التلف و لا يعلمون استحالتها في حقهم و أنهم أهل حرف و صنائع للمعاش و أن التعليم صدر الإسلام و الدولتين لم كذلك و لم يكن العلم بالجملة صناعة إنما كان نقلاً لما سمع من الشارع و تعليماً لما جهل من الذين على جهة البلاغ فكان أهل الأنساب و العصبة الذين قاموا بالملة ثم الذين يعلمون كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم على معنى التبليغ الخبري لا على وجه التعليم الصناعي إذ هو كتابهم المنزل على الرسول منهم و به هداياتهم و الإسلام دينهم قاتلوا عليه و قتلوا و اختصوا به من بين الأمم و شرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك و تفهيمه للأمة لا تصدهم عنه لائمة الكبر و لا يزغهم عاذل الأنفة و يشهد لذلك بعث النبي صلى الله عليه و سلم كبار أصحابه مع وفود العرب يعلمونهم حدود الإسلام و ما جاء به من شرائع الدين بعث في ذلك من أصحابه العشرة فمن بعدهم فما استقر الإسلام و وشجت عروق الملة حتى تناولها الأمم البعيدة من أيدي أهلها و استحالت بمرور الأيام أحوالها و كثر استنباط الأحكام الشرعية من النصوص لتعدد الوقائع و تلاحقها فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطإ و صار العلم ملكةً يحتاج إلى التعلم فأصبح من جملة الصنائع و الحرف كما يأتي ذكره في فصل العلم و التعليم و اشتغل أهل العصبية بالقيام بالملك و السلطان فدفع لعلم من قام به من سواهم و أصبح حرفة للمعاش و شمخت أنوف المترفين و أهل السلطان عن التصدي للتعليم و اختص انتحاله بالمستضعفين و صار منتحله محتقراً عند أهل العصبية و الملك و الحجاج بن يوسف كان أبوه من سادات ثقيف و أشرافهم و مكانهم من عصبية العرب و مناهضة قريش في الشرف ما علمت و لم يكن تعليمه للقرآن على ما هو الأمر عليه لهذا العهد من أنه حرفة للمعاش و أنما كان على ما وصفناه من الأمر الأول في الإسلام و من هذا الباب أيضاً ما يتوهمه المتصفحون لكتب التاريخ إذا سمعوا أحوال القضاة و ما كانوا عليه من الرئاسة في الحروب و قود العساكر فتترامى بهم و ساوس الهمم إلى مثل تلك الرتب يحسبون أن الشأن خطة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه من قبل و يظنون بابن أبي عامر صاحب هشام المستبد عليه و ابن عباس من ملوك الطوائف بإشبيلية إذا سمعوا أن آباءهم كانوا قضاة أنهم مثل القضاة لهذا العهد و لا يتفطنون لما وقع في رتبة القضاء من مخالفة العوائد كما نبينه في فصل القضاء من الكتاب الأول و ابن أبي عامر و ابن عباد كانا من قبائل العرب القائمين بالدولة الأموية بالأندلس و أهل عصبيتها و كان مكانهم فيها معلوماً و لم يكن نيلهم لما نالوه من الرئاسة و الملك بخطة القضاء كما هي لهذا العهد بل إنما كان القضاء في الأمر القديم لأهل العصبية من قبيل الدولة و مواليه كما هي الوزارة لعهدنا بالمغرب و انظر خروجهم بالعساكر في الطرائف و تقليدهم عظائم الأمور التي لا تقلد إلا لمن له الغنى فيها بالعصبية فيغلط السامع في ذلك و يحمل الأحوال على غير ما هي و أكثر ما يقع في هذا الغلط ضعفاء البصائر من أهل الأندلس لهذا العهد لفقدان العصبية في مواطنهم منذ أعصار بعيدة بفناء العرب و دولتهم بها و خروجهم عن ملكة أهل العصبيات من البربر فبقيت أنسابهم العربية محفوظة و الذريعة إلى العز من العصبية و التناصر مفقودة بل صاروا من جملة الرعايا المتخاذلين الذين من تعبدهم القهر و رئموا للمذلة يحسبون أن أنسابهم مع مخالطة الدولة هي التي يكون لهم بها الغلب و التحكم فتجد أهل الحرف و الصنائع منهم متصدين لذلك ساعين في نيله فأما من باشر أحوال القبائل و العصبية و دولهم بالعدوة الغربية و كيف يكون التغلب بين الأمم و العشائر فقلما يغلطون في ذلك و يخطئون في اعتباره. و من هذا الباب أيضاً ما يسلكه المؤرخون عند ذكر الدول و نسق ملوكها فيذكرون اسمه و نسبه و أباه و أمه و نساءه و لقبه و خاتمه و قاضيه و حاجبه و وزيره كل ذلك تقليد لمؤرخي الدولتين من غير تفطن لمقاصدهم و المؤرخون لذلك العهد كانوا يضعون تواريخهم لأهل الدولة و أبناؤها متشوفون إلى سير أسلافهم و معرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم و ينسجوا على منوالهم حتى في اصطناع الرجال من خلف دولتهم و تقليد الخطط و المراتب لأبناء صنائعهم و ذويهم و القضاة أيضاً كانوا من أهل عصبية الدولة و في عداد الوزراء كما ذكرناه لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كله و أما حين تباينت الدول و تباعد ما بين العصور و وقف الغرض على معرفة الملوك بأنفسهم خاصة و نسب الدول بعضها من بعض في قوتها و غلبتها و من كان يناهضها من الأمم أو يقصر عنها فما الفائدة للمصنف في هذا العهد في ذكر الأنباء و النساء و نقش الخاتم و اللقب و القاضي و الوزير و الحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم و لا أنسابهم و لا مقاماتهم إنما حملهم على ذلك التقليد و الغفلة عن مقاصد المؤلفين الأقدمين و الذهول عن تحري الأغراض من التاريخ اللهم إلا ذكر الوزراء الذين عظمت آثارهم و عمت على الملوك أخبارهم كالحجاج و بني المهلب و البرامكة و بني سهل بن نوبخت و كافور الأخشيدي و ابن أبي عامر و أمثالهم فغير نكير الالماع بآبائهم و الاشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك. و لنذكر هنا فائدة نختم كلامنا في هذا الفصل بها و هي أن التاريخ إنما هو ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل فأما ذكر الأحوال العامة للآفاق و الأجيال و الأعصار فهو أس للمؤرخ تنبني عليه أكثر مقاصده و تتبين به أخباره و قد كان الناس يفردونه بالتأليف كما فعله المسعودي في كتاب مروج الذهب شرح فيه أحوال الأمم و الآفاق لعهده في عصر الثلاثين و الثلاثمائة غرباً و شرقاً و ذكر نحلهم و عوائدهم و وصف البلدان و الجبال و البحار و الممالك و الدول و فرق شعوب العرب و العجم فصار إماماً لمؤرخين يرجعون إليه و أصلاً يعولون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه ثم جاء البكري من بعده ففعل مثل ذلك في المسالك و الممالك خاصة دون غيرها من الأحوال لأن الأمم و الأجيال لعهده لم يقع فيها كثير انتقال و لا عظيم تغير و أما لهذا العهد و هو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه و تبدلت بالجملة و اعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم و غلبوهم و انتزعوا منهم عامة الأوطان و شاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران شرقاً و غرباً في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم و ذهب بأهل الجيل و طوى كثيراً من محاسن العمران و محاها و جاء للدول على حين هرمها و بلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها و فل من حدها و أوهن من سلطانها و تداعت إلى التلاشي و الاضمحلال أموالها و انتقض عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار و المصانع و درست السبل و المعالم و خلت الديار و المنازل و ضعفت الدول و القبائل و تبدل الساكن و كأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته و مقدار عمرانه و كأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول و الانقباض فبادر بالإجابة و الله وارث الأرض و من عليها و إذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله و تحول العالم بأسره و كأنه خلق جديد و نشأة مستأنفة و عالم محدث فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة و الآفاق و أجيالها و العوائد و النحل التي تبدلت لأهلها و يقفو مسلك المسعودي لعصره ليكون أصلاً يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده و أنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي إما صريحاً أو مندرجاً في أخباره و تلويحاً لاختصاص قصدي في التأليف بالمغرب و أحوال أجياله و أممه و ذكر ممالكه و دوله دون ما سواه من الأقطار لعدم اطلاعي على أحوال المشرق و أممه و أن الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه و المسعودي إنما استوفى ذلك لبعد رحلته و تقلبه في البلاد كما ذكر في كتابه مع أنه لما ذكر المغرب قصر في استيفاء أحواله و فوق كل ذي علم عليم و مرد العلم كله إلى الله و البشر عاجز قاصر و الاعتراف متعين واجب و من كان الله في عونه تيسرت عليه المذاهب و انجحت له المساعي و المطالب و نحن آخذون بعون الله فيما رمناه من أغراض التأليف و الله المسدد و المعين و عليه التكلان و قد بقي علينا أن نقدم مقدمة في كيفية وضع الحروف التي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا هذا.


اعلم أن الحروف في النطق كما يأتي شرحه بعد هي كيفيات الأصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصوت بقرع اللهاة و أطراف اللسان مع الحنك و الحلق و الأضراس أو بقرع الشفتين أيضاً فتتغاير كيفيات الأصوات بتغاير ذلك القرع و تجيء الحروف متمايزة في السمع و تتركب منها الكلمات الدالة على ما في الضمائر و ليست الأمم كلها متساوية في النطق بتلك الحروف فقد يكون لأمة مني الحروف ما ليس لأمة أخرى و الحروف التي نطقت بها العرب هي ثمانية و عشرون حرفاً كما عرفت و نجد للعبرانيين حروفاً ليست في لغتنا و في لغتنا أيضاً حروف ليست في لغتهم و كذلك الإفرنج و الترك و البربر و غير هؤلاء من العجم ثم إن أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في الدلالة على حروفهم المسموعة بأوضاع حروف مكتوبة متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء و جيم وراء و طأ إلى آخر الثمانية و العشرين و إذا عرض لهم الحرف الذي ليس من حروف لغتهم بقي مهملاً عن الدلالة الكتابية مغفلاً عن البيان و ربما يرسمه بعض الكتاب بشكل الحرف الذي يكتنفه من لغتنا قبله أو بعده و ليس بكاف في الدلالة بل هو تغيير للحرف من أصله. و لما كان كتابنا مشتملاً على أخبار البربر و بعض العجم و كانت تعرض لنا في أسمائهم أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابنا و لا اصطلاح أوضاعناً اضطررنا إلى بيانه و لم نكتف برسم الحرف الذي يليه كما قلناه لأنه عندنا غير واف بالدلالة عليه فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجمي بما يدل على الحرفين اللذين يكتنفانه ليتوسط القارىء بالنطق به بين مخرجي ذينك الحرفين فتحصل تأديته و إنما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الإشمام كالصراط في قراءة خلف فإن النطق بصاده فيها معجم متوسط بين الصاد و الزاي فوضعوا الصاد و رسموا في داخلها شكل الزاي و دل ذلك عندهم على التوسط بين الحرفين فكذلك رسمت أنا الكاف حرف يتوسط بين حرفين من حروفنا كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا و الجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافاً و أنقطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف و الجيم أو القاف و هذا الحرف أكثر ما يجيء في لغة البربر و ما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معاً ليعلم القارىء أنه متوسط فينطق به كذلك فنكون قد دللنا عليه و لو وضعناه برسم الحرف الواحد عن جانبه لكنا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا و غيرنا لغة القوم فأعلم ذلك و الله الموفق للصواب بمنه و فضله.


تصنيف:مقدمة ابن خلدون

الكتاب الأول في طبيعة العمران في الخليقة Edit

وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسبابEdit

إعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبعته وله أسباه تقتضيه. فمنها التشيعات للآراء والمذاهب فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة. وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب و نقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. ومنها الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب. و منها توهم الصدق وهو كثير وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة بالناقلين ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه. ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الأكثر براغبين في الفصائل ولا متنافسين في أهلها. ومن الأسباب المقتضية له أيضاً وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع الأحوال في العمران فإن كل حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فعلاً لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله فإذا كان السامع عارفاً بطبائع الحوادث و الأحوال في الوجود و مقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض و كثيراً ما يعرض للسامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم كما نقله المسعودي عن الإسكندر لما صدته دواب البحر عن بناء الاسكندرية وكيف أتخذ صندوق الزجاج وغاص فيه إلى قعر البحر حتى صور تلك الدواب الشيطانية التي رآها وعمل تماثيلها من أجساد معدنية و نصبها حذاء البنيان ففرت تلك الدواب حين خرجت وعاينتها وتم بناؤها في حكاية طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قبل اتخاذه التابوت الزجاجي ومصادمة البحر وأمواجه بجرمه ومن قبل أن الملوك لا تحمل أنفسها على مثل هذا الغرور ومن اعتمده منهم فقد عرض نفسه للهلكة وانتقاض العقدة واجتماع الناس إلى غيره وفي ذلك إتلافه ولا ينظرون به رجوعه من غروره ذلك طرفة عين ومن قبل أن الجن لا يعرف لها صورة ولا تماثيل تختص بها إنما هي قادرة على التشكيل وما يذكره من كثرة الرؤوس لها فإنما المراد به البشاعة والتهويل لا إنه حقيقة. وهذه كلها قادحة في تلك الحكاية والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كله وهو أن المنغمس في الماء ولو كان في الصندوق يضيق عليه الهواء للتنفس الطبيعي وتسخن روحه بسرعة لقلته فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدل لمزاج الرئة والروح القلبي ويهلك مكانه وهذا هو السبب في هلاك أهل الحمامات إذا أطبقت عليهم عن الهواء البارد والمتدلين في الآبار والمطامير العميقة المهوى إذا سخن هواؤها بالمعونة ولم تداخلها الرياح فتخلخلها فإن المتدلى فيها يهلك لحينه وبهذا السبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر فإن الهواء لا يكفيه في تعديل رئته إذ هو حار بإفراط والماء الذي يعدله بارد والهواء الذي في خرج إليه حار فيستولي الحار على روحه الحيواني ويهلك دفعة ومنه هلاك المصعوقين وأمثال ذلك ومن الأخبار المستحيلة ما نقله المسعودي أيضاً في تمثال الزرزور الذي برومة تجتمع إليه الزرازير في يوم معلوم من السنة حاملة للزيتون ومنه يتخذون زيتهم وانظر ما أبعد ذلك عن المجرى الطبيعي في اتخاذ الزيت. ومنها ما نقله البكري في بناء المدينة المسماة ذات الأبواب تحيط بأكثر من ثلاثين مرحلة وتشتمل على عشرة آلاف باب والمدن إنما اتخذت للتحصن والاعتصام كما يأتي وهذه خرجت عن أن يحاط بها فلا يكون فيها حصن ولا معتصم وكما نقله المسعودي أيضاً في حديث مدينة النحاس وأنها مدينة كل بنائها نحاس بصحراء سجلماسة ظفر بها موسى بن نصير في غروته إلى المغرب و أنها مغلقة الأبواب وأن الصاعد إليها من أسوارها إذا أشرف على الحائط صفق ورمي بنفسه فلا يرجع آخر الدهر في حديث مستحيل عادة من خرافات القصاص وصحراء سجلماسة قد نفضها الركاب والأدلاء ولم يقفوا لهذه المدينة على خبرهم أن هذه الأحوال التي ذكروا عنها كلها مستحيل عادةً مناف للأمور الطبيعية في بناء المدن واختطاطها وأن المعادن غاية الموجود منها أن يصرف في الآنية والخرثي و أما تشيي

تصنيف:مقدمة ابن خلدون

الباب الأول من الكتاب الأول في العمران البشري على الجملة Edit

و فيه مقدمات

الأولى في أن الاجتماع الإنساني ضروري

و يعبر الحكماء عن هذا بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم و هو معنى العمران و بيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان و ركبه على صورة لا يصح حياتها و بقاؤها إلا بالغذاء و هداه إلى التماسه بفطرته و بما ركب فيه من القدرة على تحصيله إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه و لو فرضنا منه أقل ما يمكن فرصة و هو قوت يوم من الحنطة مثلاً فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن و العجن و الطبخ و كل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين و آلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد و نجار و فاخوري وهب أنه يأكله حباً من غير علاج فهو أيضاً يحتاج في تحصيله أيضاً حباً إلى أعمال أخرى أكثر من هذه من الزراعة و الحصاد و الدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل و يحتاج كل واحد من هذه آلات متعددة و صنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير و يستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له و لهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بإضعاف و كذلك يحتاج كل واحد منهم أيضاً في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه لأن الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها و قسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الإنسان فقدرة الفرس مثلاً أعظم بكثير من قدرة الإنسان و كذا قدرة الحمار و الثور و قدرة الأسد و الفيل أضعاف من قدرته. و لما كان العدوان طبيعياً في الحيوان جعل لكل واحد منها عضواً يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره و جعل للإنسان عوضاً من ذلك كله الفكر و اليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر و الصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة و السيوف النائبة عن المخالب الجارحة و التراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك و غيره مما ذكره جالينوس في كتاب منافع الأعضاء فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة و لا تفي قدرته أيضاً باستعمال الآلات المعدة لها فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه و ما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت و لا غذاءاً و لا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته و لا يحصل له أيضاً دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات و يعاجله الهلاك عن مدى حياته و يبطل نوع البشر و إذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء و السلاح للمدافعة و تمت حكمة الله في بقائه و حفظ نوعه فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني و إلا لم يكمل و جودهم و ما أراده الله من اعتمار العالم بهم و استخلافه إياهم و هذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعاً لهذا العلم و في هذا الكلام نوع إثبات للموضوع في فنه الذي هو موضوع له و هذا و أن لم يكن واجباً على صاحب الفن لما تقرر في الصناعة المنطقية أنه ليس على صاحب علم إثبات الموضوع في ذلك العلم فليس أيضاً من المنوعات عندهم فيكون إثباته من التبرعات و الله الموفق بفضله. ثم أن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه و تم عمران العالم بهم فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان و الظلم و ليست السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لأنها موجودة لجميعهم فلا بد من شيىء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض. و لا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم و إلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغلبة و السلطان و اليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان و هذا هو معنى الملك و قد تبين لك بهذا أن للإنسان خاصة طبيعية و لا بد لهم منها و قد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل و الجراد لما استقرىء فيها من الحكم و الانقياد و الاتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه و جثمانه إلا أن ذلك موجود لغير الإنسان بمقتضى الفطرة و الهداية لا بمقتضى الفكرة و السياسة أعطى كل شيء خلقه ثم هدى و تزيد الفلاسفة على هذا البرهان حيث يحاولون إثبات النبوة بالدليل! العقلي و أنها خاصة طبيعية للإنسان فيقررون هذا البرهان إلى غاية و أنه لا بد للبشر من الحكم الوازع ثم يقولون بعد ذلك و ذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر و أنه لا بد أن يكون متميزاً عنهم بما يودع الله فيه في خواص هدايته ليقع التسليم له و القبول منه حتى يتم الحكم فيهم و عليهم من غير إنكار و لا تزيف و هذه القضية للحكماء غير برهانية كما تراه إذ الوجود و حياة البشر قد تتم من دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم و حملهم على جادته فأهل الكتاب و المتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب فإنهم أكثر أهل العالم و مع ذلك فقد كانت لهم الدول و الآثار فضلاً عن الحياة و كذلك هي لهم لهذا العهد في الأقاليم المنحرفة في الشمال و الجنوب بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم البتة فإنه يمتنع و بهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات و أنه ليس بعقلي و إنما مدركه الشرع كما هو مذهب السلف من الأمة و الله ولي التوفيق و الهداية.

المقدمة الثانية في قسط العمران من الأرض و الإشارة إلى بعض ما فيه من الأشجار و الأنهار و الأقاليم

اعلم أنه تبين في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم أن شكل الأرض كروي و أنها محفوفة بعنصر الماء كأنها عنبة طافية عليه فانحسر الماء عن بعض جوانبها لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها و عمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها و قد يتوهم من ذلك أن الماء تحت الأرض و ليس بصحيح و أنما النحت الطبيعي قلب بالأرض و وسط كرتها الذي هو مركزها و الكل يطلبه بما فيه من الثقل و ما عدا ذلك من جوانبها و أما الماء المحيط بها فهو فوق الأرض و أن قيل في شيىء منها إنه تحت الأرض فبالإضافة إلى جهة أخرى منه. و أما الذي انحسر عنه الماء من الأرض فهو النصف من سطح كرتها في شكل دائرة أحاط العنصر الماء من بها من جميع جهاتها بحراً يسمى البحر المحيط و يسمى أيضاً لبلايه بتفخيم اللام الثانية و يسمى أوقيانوس أسماء أعجمية و يقال له البحر الأخضر و الأسود ثم أن هذا المنكشف من الأرض للعمران فيه القفار و الخلاء أكثر من عمرانه و الخالي من جهة الجنوب منه أكثر من جهة الشمال و إنما المعمور منه أميل إلى الجانب الشمالي على شكل مسطح كروي ينتهي من جهة الجنوب إلى خط الاستواء و من جهة الشمال إلى خط كروي و وراءه الجبال الفاصلة بينه و بين الماء العنصري الذي بينهما سد يأجوج و مأجوج و هذه الجبال مائلة إلى جهة المشرق و ينتهي من المشرق و المغرب إلى عنصر الماء أيضاً بقطعتين من الدائرة المحيطة و هذا المنكشف من الأرض قالوا هو مقدار النصف من الكرة أو أقل و المعمور منه مقدار ربعه و هو المنقسم بالأقاليم السبعة و خط الاستواء يقسم الأرض بنصفين من المغرب إلى المشرق و هو طول الأرض و أكبر خط في كرتها كما أن منطقة فلك البروج و دائرة فعدل النهار أكبر خط في الفلك و منطقة البروج منقسمة بثلثمائة و ستين درجة و الدرجة من مسافة الأرض خمسة و عشرون فرسخاً و الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع و الذراع أربعة و عشرون إصبعاً و الإصبع ست حبات شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهراً لبطن و بين دائرة فعدل النهار التي تقسم الفلك بنصفين و تسامت خط الاستواء من الأرض و بين كل واحد من القطبين تسعون درجة لكن العمارة في الجهة الشمالية من خط الاستواء أربع و ستون درجة و الباقي منها خلاء لا عمارة فيه لشدة البرد و الجمود كما كانت الجهة الجنوبية خلاء كلها لشدة الحر كما نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى. ثم إن المخبرين عن هذا المعمور و حدوده و عما فيه من الأمصار و المدن و الجبال و البحار و الأنهار و القفار و الرمال مثل بطليموس في كتاب الجغرافيا و صاحب كتاب زخار من بعده قسموا هذا المعمور بسبعة أقسام يسمونها الأقاليم السبعة بحدود وهمية بين المشرق و المغرب متساوية في العرض مختلفة في الطول فالإقليم الأول أطول مما بعده و هكذا الثاني إلى آخرها فيكون السابع أقصر لما اقتضاه وضع الدائرة الناشئة عن انحسار الماء عن كرة الأرض و كل واحد من هذه الأقاليم عندهم منقسم بعشرة أجزاء من المغرب إلى المشرق على التوالي و في كل جزء الخبر عن أحواله و أحوال عمرانه. و ذكروا أن هذا البحر المحيط يخرج من جهة المغرب في الأقليم الرابع البحر الرومي المعروف يبدأ في خليج فتضايق في عرض اثني عشر ميلاً أو نحوها ما بين طنجة و طريف و يسمى أن الزقاق ثم يذهب مشرقاً و ينفسح إلى عرض ستمائة ميل و نهايته في آخر الجزء الرابع من الإقليم الرابع على ألف فرسخ و مائة و ستين فرسخاً من مبدأه و عليه هنالك سواحل الشام و عليه من جهة الجنوب سواحل المغرب أولها طنجة عند الخليج ثم أفريقية ثم برقة إذ الاسكندرية و من جهة الشمال سواحل القسطنطينية عند الخليج ثم البنادقة ثم رومة ثم الافرنجة ثم الاندلس إلى طريف عند أن الزقاق قبالة طنجة و يسمى هذا البحر الرومي و الشامي و فيه جزر كثيرة عامرة كبار مثل أقريطش و قبرص و صقلية و ميورقة و سردانية قالوا: و يخرج منه في جهة الشمال بحران آخران من خليجين. أحدهما مسامت للقسطنطينية يبدأ من هذا البحر متضايقاً في عرض رمية السهم و يمر ثلاثة بحار فيتصل بالقسطنطينية ثم ينفسح في عرض أربعة أميال و يمر في جريه ستين ميلاً و يسمى خليج القسطنطينية ثم يخرج من فوهة عرضها ستة أميال فيمد بحر نيطش و هو بحر ينحرف من هنالك في مذهبه إلى ناحية الشرق فيمر بأرض هرقلة و ينتهي إلى بلاد الخزرية على ألف و ثلثمائة ميل من فوهته و عليه من الجانبين أمم من الروم و الترك و برجان و الروس. و البحر الثاني من خليجي هذا البحر الرومي و هو بحر البنادقة يخرج من بلاد الروم على سمت الشمال فإذا انتهى إلى سمت الجبل انحرف في سمت المغرب إلى بلاد البنادقة و ينتهي إلى بلاد إنكلاية على ألف و مائة ميل من مبدإه و على حافتيه من البنادقة و الروم و غيرهم أمم و يسمى خليج البنادقة. قالوا و ينساح من هذا البحر المحيط أيضاً من الشرق و على ثلاث عشرة درجة في الشمال من خط الاستواء بحر عظيم متسع يمر في الجنوب قليلاً حتى ينتهي إلى الإقليم الأول ثم يمر فيه مغرباً إلى أن ينتهي في الجزء الخامس منه إلى بلاد الحبشة و الزنج و إلى بلاد باب المندب منه على أربعة آلاف فرسخ من مبدئه و يسمى البحر الصيني و الهندي و الحبشي و عليه من جهة الجنوب بلاد الزنج و بلاد بربر التي ذكرها امرؤ القيس في شعره و ليسوا من البربر الذين هم قبائل المغرب ثم بلد سفالة و أرض الواق واق و أمم أخر ليس بعدهم إلا القفار و الخلاء و عليه من جهة الشمال الصين من عند مبدئه ثم الهند ثم السند ثم سواحل اليمن من الأحقاف و زبيد و غيرها ثم بلاد الزنج عند نهايته و بعدهم الحبشة. قالوا و يخرج من هذا البحر الحبشي بحران آخران أحدهما يخرج من نهايته عند باب المندب فيبدأ متضايقاً ثم يمر مستبحراً إلى ناحية الشمال و مغرباً قليلاً إلى أن بنتهي إلى القلزم في الجزء الخامس من الإقليم الثاني على ألف و أربعمائة ميل من مبدئه في و يسمى بحر القلزم و بحر السويس و بينه و بين فسطاط مصر من هنالك ثلاث مراحل و عليه من جهة الشرق سواحل اليمن ثم الحجاز و جدة ثم مدين و أيلة و فازان عند نهايته و من جهة الغرب سواحل الصعيد، و عيذاب و سواكن وزيلع ثم بلاد الحبشة عند مبدئه و آخره عند القلزم يسامت البحر الرومي عند العريش و بينهما نحو ست مراحل و مازال الملوك في الإسلام و قبله يرمون خرق ما بينهما و لم يتم ذلك. و البحر الثاني من هذا البحر الحبشي و يسمى الخليج الأخضر يخرج ما بين بلاد السند و الأحقاف من اليمن و يمر إلى ناحية الشمال مغرباً قليلاً إلى أن ينتهي إلى الأبلة من سواحل البصرة في الجزء السادس من الإقليم الثاني على أربعمائة فرسخ و أربعين فرسخاً من مبدئه و يسمى بحر فارس و عليه من جهة الشرق سواحل السند و مكران و كرمان و فارس و الأبلة و عند نهايته من جهة الغرب سواحل البحرين و اليمامة و عمان و الشحر و الأحقاف عند مبدئه و فيما بين بحر فارس و القلزم و جزيرة العرب كأنها داخلة من البر في البحر يحيط بها البحر الحبشي من الجنوب و بحر القلزم من الغرب و بحر فارس من الشرق و تفضي إلى العراق بين الشام و البصرة على ألف و خمسمائة ميل بينهما و هنالك الكوفة و القادسية و بغداد و إيوان كسرى و الحيرة و وراء ذلك أمم الأعاجم من الترك و الخزر و غيرهم و في جزيرة العرب بلاد الحجاز في جهة الغرب منها و بلاد اليمامة و البحرين و عمان في جهة الشرق منها و بلاد اليمن في جهة الجنوب منها و سواحله على البحر الحبشي. قالوا و في هذا المعمور بحر آخر منقطع من سائر البحار في ناحية الشمال بأرض الديلم يسمى بحر جرجان و طبرستان طوله ألف ميل في عرض ستمائة ميل في غربه أذربيجان والديلم و في شرقه أرض الترك و خوارزم و في جنوبه طبرستان و في شماله أرض الخزر و اللان. هذه جملة البحار المشهورة التي ذكرها أهل الجغرافيا. قالوا و في هذا الجزء المعمور أنهار كثيرة أعظمها أربعة أنهار و هي النيل و الفرات و دجلة و نهر بلخ المسمى جيحون. فأما النيل فمبدأه من جبل عظيم وراء خط الاستواء بست عشرة درجة على سمت الجزء الرابع من الإقليم الأول و يسمى جبل القمر و لا يعلم في الأرض جبل أعلى منه تخرج منه عيون كثيرة فيصب بعضها في الحيرة هناك و بعضها في أخرى ثم تخرج أنهار من البحيرتين فتصب كلها في بحيرة واحدة عند خط الاستواء على عشر مراحل من الجبل و يخرج من هذه البحيرة نهران يذهب أحدهما إلى ناحية الشمال على سمته و يمر ببلاد النوبة ثم بلاد مصر فإذا جاوزها تشعب في شعب مقاربة يسمى كل واحد منها خليجاً و تصب كلها في البحر الرومي عند الإسكندرية و يسمى نيل مصر و عليه الصيعد من شرقه و الواحات من غربه و يذهب الآخر منعطفاً إلى المغرب ثم يمر على سمته إلى أن يصب ي البحر المحيط و هو نهر السودان و أممهم كلهم على ضفتيه. و أما الفرات فمبدؤه من بلاد أرمينية في الجزء السادس من الإقليم الخامس و يمر جنوباً في أرض الروم و ملطية إلى منبج ثم يمر بصفين ثم بالرقة ثم بالكوفة إلى أن ينتهي إلى البطحاء التي بين البصرة و واسط و من هناك يصب في البحر الحبشي و تنجلب إليه في طريقه أنهار كثيرة و يخرج منه أنهار أخرى تصب في دجلة. و أما دجلة فمبدؤها عين ببلاد جلاط من أرمينية أيضاً و تمر على سمت الجنوب بالموصل و أذربيجان و بغداد إلى واسط فتتفرق إلى خلجان كلها تصب في بحيرة البصرة و تفضي إلى بحر فارس و هو في الشرق على يمين الفرات و ينجلب إليه أنهار كثيرة عظيمة من كل جانب و فيما بين الفرات و دجلة من أوله جزيرة الموصل قبالة الشام من عدوتي الفرات و قبالة أذربيجان من عدوة دجلة. و أما نهر جيحون فمبدؤه من بلخ في الجزء الثامن من الإقليم الثالث من عيون هناك كثيرة و تنجلب إليه أنهار عظام و يذهب من الجنوب إلى الشمال فيمر ببلاد خراسان ثم يخرج معها إلى بلاد خوارزم في الجزء الثامن من الإقليم الخامس فيصب في بحيرة الجرجانية التي بأسفل مدينتها و هي مسيرة شهر في مثله و إليها ينصب نهر فرغانة و الشاش الآتي من بلاد الترك و على غربي نهر جيحون بلاد خراسان و خوارزم و على شرقه بلاد بخارى و ترمذ و سمرقند و من هنالك إلى ما وراءه بلاد الترك و فرغانة و الجرجانية و أمم الأعاجم و قد ذكر ذلك كله بطليموس في كتابه و الشريف في كتاب روجار و صوروا في الجغرافيا جميع ما في المعمور من الجبال و البحار و الأودية و استوفوا من ذلك ملا حاجة انا به لطوله ولأن عنايتنا في الأكثر إنما هي بالمغرب الذي هو وطن البربر و بالأوطان التي للعرب من المشرق والله الموفق. تكملة لهذه المقدمة الثانية في أن الربع الشمالي من الأرض أكثر عمراناً من الربع الجنوبي و ذكر السبب في ذلك

و نحن نرى بالمشاهدة و الأخبار المتواترة أن الأول و الثاني من الأقاليم لمعمورة أقل عمراناً مما بعدهما و ما وجد من عمرانه فيتخلله الخلاء و لقفار و الرمال و البحر الهندي الذي في الشرق منهما و أمم هذين الإقليمين و أناسيهما ليست لهم الكثرة البالغة و أمصاره و مدنه كذلك و الثالث و الرابع و ما بعدهما بخلاف ذلك فالقفار فيها قليلة و الرمال كذلك أو معدومة و أممها و أناسيها تجوز الحد من الكثرة و أمصارها و مدنها تجاوز الحد عدداً و العمران فيها مندرج ما بين الثالث و السادس و الجنوب خلاء كله و قد ذكر كثير من الحكماء أن ذلك لإفراط الحر و قلة ميل الشمس فيها عن سمت الرؤوس فلنوضح ذلك ببرهانه و يتبين منه سبب كثرة العمارة فيما بين الثالث و الرابع من جانب الشمال إلى الخامس و السابع. فنقول إن قطبي الفلك الجنوبي و الشمالي إذا كانا على الأفق فهنالك دائرة عظيمة تقسم الفلك بنصفين هي أعظم الدوائر المارة من المشرق إلى المغرب و تسمى دائرة معدل النهار و قد تبين في موضعه من الهيئة أن الفلك الأعلى متحرك من المشرق إلى المغرب حركة يومية يحرك بها سائر الأفلاك في جوفه قهراً و هذه الحركة محسوسة و كذلك تبين أن للكواكب في أفلاكها حركة مخالفة لهذه الحركة و هي من المغرب إلى المشرق و تختلف آمادها باختلاف حركة الكواكب في السرعة و البطء و ممرات هذه الكواكب في أفلاكها توازيها كلها دائرة عظيمة من الفلك الأعلى تقسمه بنصفين و هي دائرة فلك البروج منقسمة باثني عشر برجاً و هي على ما تبين في موضعه مقاطعة لدائرة معدل النهار على نقطتين متقابلتين من البروج هما أول الحمل و أول الميزان فتقسمهما دائرة معدل النهار بنصفين نصف مائل عن معدل النهار إلى الشمال و هو من أول الحمل إلى آخر السنبلة و نصف مائل عنه إلى الجنوب و هو من أول الميزان إلى آخر الحوت و إذا وقع القطبان على الأفق في جميع نواحي الأرض كان على سطح الأرض خط واحد يسامت دائرة معدل النهار يمر من المغرب إلى المشرق و يسمى خط الاستواء و وقع هذا الخط بالرصد على ما زعموا في مبدإ الإقليم الأول من الأقاليم السبعة و العمران كله في الجهة الشمالية يرتفع عن آفاق هذا المعمور بالتدريج إلى أن ينتهي ارتفاعه إلى أربع، و ستين درجة و هنالك ينقطع العمران و هو آخر الإقليم السابع، إذا ارتفع على الأفق و بقيت تسعين درجة و هي التي بين القطب و دائرة معدل النهار على الأفق و بقيت ستة من البروج فوق الأفق و هي الشمالية و ستة تحت الأفق و هي الجنوبية و العمارة فيما بين الأربعة و الستين إلى التسعين ممتنعة لأن الحر و البرد حينئذ لا يحصلان ممتزجين لبعد الزمان بينهما يحصل التكوين فإذاً الشمس تسامت الرؤوس على خط الاستواء في رأس الحمل و الميزان ثم تميل في المسامتة إلى رأس السرطان ورأس الجدي و يكون نهاية ميلها عن دائرة معدل النهار أربعاً و عشرين درجة ثم إذا ارتفع القطب الشمالي عن الأفق مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس بمقدار ارتفاع و انخفض القطب الجنوبي كذلك بمقدار متساو في الثلاثة وهو المسمى عند أهل المواقيت عرض البلد و إذا مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس علت عليها البروج الشمالية مندرجة في مقدار علوها إلى رأس السرطان و انخفضت البروج الجنوبية من الأفق كذلك إلى رأس الجدي لانحرافها إلى الجانبين في أفق الاستواء كما قلناه فلا يزال الأفق الشمالي يرتفع حتى يصير أبعد الشمالية و هو رأس السرطان في سمت الرؤوس و ذلك حيث يكون عرض البلد أربعاً و عشرين في الحجاز و ما يليه و هذا هو الميل الذي إذا مال رأس السرطان عن معدل النهار في أفق الاستواء ارتفع بارتفاع القطب الشمالي حتى صار مسامتاً فإذا ارتفع القطب أكثر من أربع و عشرين نزلت الشمس عن المسامتة و لا تزال في انخفاض إلى أن يكون ارتفاع القطب أربعاً و ستين و يكون انخفاض الشمس عن المسامتة كذلك و انخفاض القطب الجنوبي عن الأفق مثلها فينقطع التكوين لإفراط البرد و الجمد و طول زمانه غير ممتزج بالحر. ثم إن الشمس عند المسامتة و ما يقاربها تبعث الأشعة قائمة و فيما دون المسامتة على زوايا منفرجة و حادة و إذا كانت زوايا الأشعة قائمة عظم الضوء و انتشر بخلافه في المنفرجة و الحادة فلهذا يكون الحر عند المسامتة و ما يقرب منها أكثر منه فيما بعد لأن الضوء سبب الحر و التسخين.


ثم أن المسامتة في خط الاستواء تكون مرتين في السنة عند نقطتي الحمل و الميزان و إذا مالت فغير بعيد و لا يكاد الحر يعتدل في آخر ميلها عند رأس السرطان و الجدي إلا أن صعدت إلى المسامتة فتبقى الأشعة القائمة الزوايا تلح على ذلك الأفق و يطول مكثها أو يدوم فيشتعل الهواء حرارة و يفرط في شدتها و كذا ما دامت الشمس تسامت مرتين فيما بعد خط الاستواء إلى عرض أربع و عشرين فإن الأشعة ملحة على الأفق في ذلك بقريب من إلحاحها في خط الاستواء و إفراط الحر يفعل في الهواء تجفيفاً و يبساً يمنع من التكوين لأنه إذا أفرط الحر جفت المياه و الرطوبات و فسد التكويني في المعدن و الحيوان و النبات إذ التكوين لا يكون إلا بالرطوبة ثم إذا مال رأس السرطان عن سمت الرؤوس في عرض خمس و عشرين فما بعده نزلت الشمس عن المسامتة فيصير الحر إلى الاعتدال أو يميل عنه ميلاً قليلاً فيكون التكوين و يتزايد على التدريج إلى أن يفرط البرد في شدته لقلة الضوء و كون الأشعة منفرجة الزوايا فينقص التكوين و يفسد بيد أن فساد التكوين من جهة شدة الحر أعظم منه من جهة شدة البرد لأن الحر أسرع تأثيراً في التجفيف من تأثير البرد في الجمد فلذلك كان العمران في الإقليم الأول و الثاني قليلاً و في الثالث و الرابع و الخامس متوسطاً لاعتدال الحر بنقصان الضوء و في السادس و السابع كثيراً لنقصان الحر و أن كيفية البرد لا تؤثر عند أولها في فساد التكوين كما يفعل الحر إذ لا تجفيف فيها إلا عند الإفراط بما يعرض لها حينئذ من اليبس كما بعد السابع فلهذا كان العمران في الربع الشمالي أكثر و أوفر و الله أعلم. و من هنا أخذ الحكماء خلاء خط الاستواء و ما وراءه و أورد عليهم أنه مغمور بالمشاهدة و الأخبار المتواترة فكيف يتم البرهان على ذلك و الظاهر أنهم لم يريدوا امتناع العمران فيه بالكلية إنما أداهم البرهان إلى أن فساد التكوين فيه قري بإفراط الحر و العمران فيه إما ممتنع أو ممكن أقلي و هو كذلك فإن خط الاستواء و الذي وراءه و إن كان فيه عمران كما نقل فهو قليل جداً. و قد زعم ابن رشد أن خط الاستواء معتدل و أن ما وراءه في الجنوب بمثابة ما وراءه في الشمال فيعمر منه ما عمر من هذا و الذي قاله غير ممتنع من جهة فساد التكوين و إنما امتنع فيما وراء خط الاستواء في الجنوب من جهة أن العنصر المائي غمر وجه الأرض هنالك إلى الحد الذي كان مقابله من الجهة الشمالية قابلاً للتكوين و لما امتنع المعتدل لغيبة الماء تبعه ما سواه لأن العمران متدرج و يأخذ في التدريج من جهة الوجود لا من جهة الامتناع و أما القول بامتناعه في خط الاستواء فيرده النقل المتواتر و الله أعلم. و لنرسم بعد هذا الكلام صورة الجغرافيا كما رسمها صاحب كتاب روجار ثم نأخذ في تفصيل الكلام عليها إلى أخره.


تصنيف:ابن خلدون


القسم الأول من تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا Edit

إعلم أن الحكماء قسموا هذا المعمور كما تقدم ذكره على سبعة أقسام من الشمال إلى الجنوب يسمون كل قسم منها إقليماً فانقسم المعمور من الأرض كله على هذه السبعة الأقاليم كل واحد منها أخذ من الغرب إلى الشرق على طوله.

فالأول منها مار من المغرب إلى المشرق مع خط الاستواء بحده من جهة الجنوب و ليس وراءه هنالك إلا القفار و الرمال و بعض عمارة إن صحت فهي كلا عمارة و يليه من جهة شمالية الإقليم الثاني ثم الثالث كذلك ثم الرابع و الخامس و السادس و السابع و هو آخر العمران من جهة الشمال و ليس وراء السابع إلا الخلاء و القفار إلى أن ينتهي إلى البحر المحيط كالحال فيما وراء الإقليم الأول في جهة الجنوب إلا أن الخلاء في جهة الشمالي أقل بكثير من الخلاء الذي في جهة الجنوب.

ثم أن أزمنة الليل و النهار تتفاوت في هذه الأقاليم بسبب ميل الشمس عن دائرة معدلي النهار و ارتفاع القطب الشمالي عن آفاقها فيتفاوت قوس الليل و النهار لذلك و ينتهي طول الليل و النهار في آخر الإقليم الأول و ذلك عند حلول الشمس برأس الجدي لليل و برأس السرطان للنهار كل واحد منهما إلى ثلاث عشرة ساعة و كذلك في آخر الإقليم الثاني مما يلي الشمال فينتهي، طول النهار فيه عند حلول الشمس برأس السرطان و هو منقلبها الصيفي إلى ثلاث عشرة ساعة و نصف ساعين و مثله أطول الليل عند منقلبها الشتوي برأس الجدي و يبقى للأقصر من الليل و النهار ما يبقى بعد الثلاث عشرة و نصف من جملة أربع و عشرين الساعات الزمانية لمجموع الليل و النهار و هي دورة الفلك الكاملة و كذلك في آخر الإقليم الثالث مما يلي الشمال أيضاً ينتهيان إلى أربع عشرة ساعة و في آخر الرابع إلى أربع عشرة ساعة و نصف ساعة و في آخر الخامس إلى خمس عشرة ساعة و في آخر السادس إلى خمس عشرة ساعة و نصف و إلى آخر السابع إلى ست عشرة ساعة و هنالك ينقطع العمران فيكون تفاوت هذه الأقاليم في الأطول من ليلها و نهارها بنصف ساعة لكل إقليمه يتزايد من أوله في ناحية الجنوب إلى آخر في ناحية الشمال موزعة على أجزاء هذا البعد.

و أما عرض البلدان في هذه الأقاليم و هو عبارة عن بعد ما بين سمت رأس البلد و دائرة معدل النهار الذي هو سمت رأس خط الاستواء و بمثله سواء ينخفض القطب الجنوبي عن أفق ذلك البلد و يرتفع القطب الشمالي عنه و هو ثلاثة أبعاد متساوية تسمى عرض البلد كما مر ذلك قبل. و المتكلمون على هذه الجغرافيا قسموا كل واحد من هذه الأقاليم السبعة في طوله من المغرب إلى المشرق بعشرة أجزاء متساوية و يذكرون ما اشتمل عليه كل جزء منها من البلدان و الأمصار و الجبال و الأنهار و المسافات بينها في المسالك و نحن الآن نوجز القول في ذلك و نذكر مشاهير البلدان و الأنهار و البحار في كل جزء منها و نحاذي بذلك ما وقع في كتاب نزهة المشتاق الذي ألفه العلوي الأدريسي الحمودي لملك صقلية من الإفرنج و هو زخار بن زخار عندما كان نازلاً عليه بصقلية بعد خروج صقلية من إمارة مالقة و كان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السادسة و جمع له كتباً جمة للمسعودي و ابن خرداذيه و الحوقلي و القدري و ابن إسحاق المنجم و بطليموس و غيرهم و نبدأ منها بالإقليم الأول إلى آخرها و الله سبحانه و تعالى يعصمنا بمنه و فضله. الإقليم الأول ، و فيه من جهة غربيه الجزائر الخالدات التي منها بدأ بطليموس بأخذ أطوال البلاد و ليست في بسيط الإقليم و إنما هي في البحر المحيط في جزر متكثرة أكبرها و أشهرها ثلاث و يقال أنها معمورة و قد بلغنا أن سفائن من الإفرنج مرت بها في أواسط هذه المائة و قاتلوهم فغنموا منهم و سبوا و باعوا بعض أسراهم بسواحل المغرب الأقصى و صاروا إلى خدمة السلطان فلما تعلموا اللسان العربي أخبروا عن حال جزائرهم و أنهم يحتفرون الأرض للزراعة بالقرون و أن الحديد مفقود بأرضهم و عيشهم من الشعير و ماشيتهم المعز و قتالهم بالحجارة يرمونها إلى خلف و عبادتهم السجود للشمس إذا طلعت و لا يعرفون ديناً و لم تبلغهم دعوة و لا يوقف على مكان هذه الجزائر إلا بالعثور لا بالقصد إليها لأن سفر السفن في البحر إنما هو بالرياح و معرفة جهات مهابها و إلى أين يوصل إذا مرت على الاستقامة من البلاد التي في ممر ذلك المهب و إذا اختلف المهب و علم حيث يوصل على الاستقامة حوذي به القلع محاذاة يحمل السفينة بها على قوانين في ذلك محصلة عند النواتية و الملاحين الذين هم رؤساء السفن في البحر و البلاد التي في حافات البحر الرومي و في عدوته مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هي عليه في الوجود و في وضعها في سواحل البحر على ترتيبها و مهاب الرياح و ممراتها على اختلافها معها في تلك الصحيفة و يسمونها الكنباص و عليها يعتمدون في أسفارهم و هذا كله مفقود في البحر المحيط فلذلك لا تلج فيه السفن لأنها إن غابت عن مرأى السواحل فقل أن تهتدي إلى الرجوع إليها مع ما ينعقد في جو هذا البحر و على سطح مائه من الأبخرة الممانعة للسفن في مسيرها و هي لبعدها لا تدركها أضواء الشمس المنعكسة من سطح الأرض فتحللها فلذلك عسر الاهتداء إليها و صعب الوقوف على خبرها. و أما الجزء الأول من هذا الإقليم ففيه مصب النيل الآتي من مبدئه عند جبل القمر كما ذكرناه و يسمى نيل السودان و يذهب إلى البحر المحيط فيصب فيه عند جزيرة أوليك و على هذا النيل مدينة سلا و تكرور و غانة و كلها لهذا العهد في مملكة ملك مالي من أمم السودان و إلى بلادهم تسافر تجار المغرب الأقصى و بالقرب منها من شماليها بلاد لمتونة و سائر طوائف الملثمين و مفاوز يجولون فيها و في جنوبي هذا النيل قوم من السودان يقال لهم (( لملم )) و هم كفار و يكتوون في وجوههم و أصداغهم و أهل غانة و التكرور يغيرون عليهم و يسبونهم و يبيعونهم للتجار فيجلبونهم إلى المغرب و كلهم عامة رقيقهم و ليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلا أناسي أقرب إلى الحيوان العجم من الناطق يسكنون الفيافي و الكهوف و يأكلون العشب و الحبوب غير مهيأة و ربما يأكل بعضهم بعضاً و ليسوا في عداد البشر. و فواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات و تكدرارين و وركلان. فكان في غانة فيما يقال ملك و دولة لقوم من العلويين يعرفون ببني صالح و قال صاحب كتاب روجار إنه صالح بن عبد الله بن حسن بن الحسن و لا يعرف صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن و قد ذهبت هذه الدولة لهذا العهد و صارت غانة لسلطان مالي و في شرقي هذا البلد في الجزء الثالث من الإقليم بلد ( كوكو ) على نهر ينبع من بعض الجبال هنالك و يمر مغرباً فيغوص في رمال الجزء الثالث و كان ملك كوكو قائماً بنفسه ثم استولى عليها سلطان مالي و أصبحت في مملكته و خربت لهذا العهد من أجل فتنة وقعت هناك نذكرها عند ذكر دولة مالي في محلها من تاريخ البربر و في جنوبي بلد كوكو بلاد كاتم من أمم السودان و بعدهم و نغارة على ضفة النيل من شماليه و في شرقي بلاد و نغارة و كاتم بلاد زغاوة و تاجرة المتصلة بأرض النوبة في الجزء الرابع من هذا الإقليم و فيه يمر نيل مصر ذاهباً من مبدإه عند خط الاستواء إلى البحر الرومي في الشمال و مخرج هذا النيل من جبل القمر الذي فوق خط الاستواء بست عشرة درجة و اختلفوا في ضبط هذه اللفظة فضبطها بعضهم يفتح القاف و الميم نسبة إلى قمر السماء لشدة بياضه و كثرة ضوءه و في كتاب المشترك لياقوت بضم القاف و سكون الميم نسبةً إلى قوم من أهل الهند و كذا ضبطه ابن سعيد فيخرج من هذا الجبل عشر عيون تجتمع كل خمسة منها في بحيرة و بينهما ستة أميال و يخرج من كل واحدة من البحيرتين ثلاثة أنهار تجتمع كلها في بطيحة واحدة في أسفلها جبل معترض يشق البحيرة من ناحية الشمال و ينقسم ماؤها بقسمين فيمر الغربي منه إلى بلاد السودان مغرباً حتى يصب في البحر المحيط و يخرج الشرقي منه ذاهباً إلى الشمال على بلاد الحبشة و النوبة و فيما بينهما و ينقسما في أعلى أرض مصر فيصب ثلاثة من جداوله في البحر الرومي عند الإسكندرية. و رشيد و دمياط و يصب واحد في بحيرة ملحة قبل أن يتصل بالبحر في وسط هذا الإقليم الأول و على هذا النيل به بلاد النوبة و الحبشة و بعض بلاد الواحات إلى أسوان و حاضرة بلاد النوبة مدينة دنقلة و هي في غربي هذا النيل و بعدها علوة و بلاق و بعدهما جبل الجنادل على ستة مراحل من بلاق في الشمال و هو جبل عال من جهة مصر و منخفض من جهة النوبة فينفذ فيه النيل و يصب في مهوى بعيد صباً هائلاً فلا يمكن أن تسلكه المراكب بل يحول الوسق من مراكب السودان فيحمل على الظهر إلى بلد أسوان قاعدة الصعيد إلى فوق الجنادل و بين الجنادل و أسوان اثنتا عشرة مرحلة و الواحات في غربيها عدوة النيل و هي الآن خراب و بها آثار العمارة القديمة. و في وسط هذا الإقليم في الجزء الخامس منه بلاد الحبشة على واد يأتي من وراء خط الاستواء ذاهباً إلى أرض النوبة فيصب هناك في النيل الهابط إلى مصر و قد وهم فيه كثير من الناس و زعموا أنه من نيل القمر و بطليموس ذكره في كتاب الجغرافيا و ذكر أنه ليس من هذا النيل. و إلى وسط هذا الإقليم في الجزء الخاص ينتهي بحر الهند الذي يدخل من ناحية الصين و يغمر عامة هذا الإقليم إلى هذا الجزء الخامس فلا يبقى فيه عمران إلا ما كان في الجزائر التي في داخله و هي متمددة يقال تنتهي إلى ألف جزيرة أو فيما على سواحله من جهة الشمال و ليس منها في هذا الإقليم الأول إلا طرف من بلاد الصين في جهة الشرق و في بلاد اليمن. و في الجزء السادس من هذا الإقليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر الهندي إلى جهة الشمال و هما بحر قلزم و بحر فارس و فيما بينهما جزيرة العرب و تشتمل على بلاد اليمن و بلاد الشحر في شرقيها على ساحل هذا البحر الهندي و على بلاد الحجاز و اليمامة و ما إليهما كما نذكره في الإقليم الثاني و ما بعده فأما الذي على ساحل هذا البحر من غربيه فبلد زالع من أطراف بلاد الحبشة و مجالات البجة في شمالي الحبشة ما بين جبل العلاقي أعالي الصعيد و بين بحر القلزم الهابط من البحر الهندي و تحت بلاد زالع من جهة الشمال في هذا الجزء خليج باب المندب يضيق البحر الهابط هنالك بمزاحمة جبل المندب المائل في وسط البحر الهندي ممتداً مع ساحل اليمن من الجنوب إلى الشمال في طول اثني عشر ميلاً فيضيق البحر بسبب ذلك إلى أن يصير في عرض ثلاثة أميال أو نحوها و يسمى باب المندب و عليه تمر مراكب اليمن إلى ساحل السويس قريباً من مصر و تحت باب المندب جزيرة سواكن و دهلك و قبالته من غربيه مجالات البخة من أمم السودان كما ذكرناه و من شرقيه في هذا الجزء تهائم اليمن و منها على ساحله بلد علي بن يعقوب و في جهة الجنوب من بلد زالع و على ساحل هذا البحر من غربيه ترى بربر يتلو بعضها بعضاً و ينعطف من جنوبيه إلى آخر الجزء السادس و يليها هنالك من جهة شرقيها بلاد الزنج ثم بلاد سفالة من ساحله الجنوبي بلاد الوقواق متصلة إلى آخر الجزء العاشر من هذا الإقليم عند مدخل هذا البحر من البحر المحيط. و أما جزائر هذا البحر فكثيرة. من أعظمها جزيرة سرنديب مدورة الشكل. و بها الجبل المشهور يقال ليس في الأرض أعلى منه و هي قبالة سفالة. ثم جزيرة القمر و هي جزيرة مستطيلة تبدأ من قبالة أرض سفالة و تذهب إلى الشرق منحرفة بكثير إلى أن تقرب من سواحل أعالي الصين و يحتف بها في هذا البحر من جنوبيها جزائر الوقواق و من شرقيها جزائر السيلان إلى جزائر أخر في هذا البحر كثيرة العدد و فيها أنواع الطيب و الأفاويه و فيها يقال معادن الذهب و الزمرد و عامة أهلها على دين المجوسية و فيهم ملوك متعددون و بهذه الجزائر من أحوالي العمران عجائب ذكرها أهل الجغرافيا و على الضفة الشمالية من هذا البحر في الجزء السادس من هذا الإقليم بلاد اليمن كلها فمن جهة بحر القلزم بلد زبيد و المهجم و تهامة اليمن و بعدها بلد صغيرة مقر الإمامة الزبدية و هي بعيدة عن البحر الجنوبي و عن البحر الشرقي و فيما بعد ذلك مدينة عدن و في شمالها صنعاء و بعدهما إلى المشرق أرض الأحقاف و ظفار و بعدها أرض حضر موت ثم بلاد الشحر ما بين البحر الجنوبي و بحر فارس. و هذه القطعة من الجزء السادس هي التي الكشف عنها البحر من أجزاء هذا الإقليم الوسطى و ينكشف بعدها قليل من الجزء التاسع و أكثر منه من العاشر فيه أعالي بلاد الصين و من مدنه الشهيرة خانكو و قبالتها من جهة الشرق جزائر السيلان و قد تقدم ذكرها و هذا آخر الكلام في الإقليم الأول و الله سبحانه و تعالى و لي التوفيق بمنه و فضله. الإقليم الثاني: و هو متصل بالأول من جهة الشمال و قبالة المغرب منه في البحر المحيط جزيرتان من الجزائر الخالدات التي مر ذكرها و في الجزء الأول و الثاني منه في الجانب الأعلى منهما أرض قنورية و بعدها في جهة الشرق أعالي أرض غانة ثم مجالات زغاوة من السودان و في الجانب الأسفل منهما صحراء نستر متصلة من الغرب إلى الشرق ذات مفاوز تسلك فيها التجار ما بين بلاد المغرب و بلاد السودان و فيها مجالات الملثمين من صنهاجة و هم شعوب كثيرة ما بين كزولة و لمتونة و مسراتة و لمطة و وريكة و على سمت هذه المفاوز شرقاً أرض فزان ثم مجالات أزكار من قبائل البربر ذاهبة إلى أعالي الجزء الثالث على سمتها في الشرق و بعدها من هذا الجزء الثالث و هي جهة الشمال منه بقية أرض وذان و على سمتها شرقاً أرض سنترية و تسمى الواحات الداخلة و في الجزء الرابع من أعلاه بقية أرض الباجويين ثم يعترض في وسط هذا الجزء بلاد الصعيد حافات النيل الذاهب من مبدأه في الإقليم الأول إلى مصبه في البحر فيمر في هذا الجزء بين الجبلين الحاجزين و هما جبل الواحات من غربيه و جبل المقطم من شرقيه و عليه من أعلاه بلد أسنا و أرمنت و يتصل كذلك حافاته إلى أسيوط و قوص ثم إلى صول و يفترق النيل هنالك على شعبين ينتهي الأيمن منهما في هذا الجزء عند اللاهون و الأيسر عند دلاص و فيما بينهما أعالي ديار مصر و في الشرق من جبل المقطم صحارى عيذاب ذاهبة في الجزء الخامس إلى أن تنتهي إلى بحر السويس و هو بحر القلزم الهابط من البحر الهندي في الجنوب إلى جهة الشمال و في عدوته الشرقية من هذا الجزء أرض الحجاز من جبل يلملم إلى بلاد يثرب في وسط الحجاز مكة شرفها الله و في ساحلها مدينة جدة تقابل بلد عيذاب في العدوة الغربية من هذا البحر. و في الجزء السادس من غربيه بلاد نجد أعلاها في الجنوب و تبالة و جرش إلى عكاظ من الشمال و تحت نجد من هذا الجزء بقية أرض الحجاز و على سمتها في الشرق بلاد نجران و خيبر و تحتها أرض اليمامة و على سمت نجران في الشرق أرض سبأ و مأرب ثم أرض الشحر و ينتهي إلى بحر فارس و هو البحر الثاني الهابط من البحر الهندي إلى الشمال كما مر و يذهب في هذا الجزء بانحراف إلى الغرب فيمر ما بين شرقيه و جوفيه قطعة مثلثة عليها من أعلاه مدينة قلهات و هي ساحل الشحر ثم تحتها على ساحله بلاد عمال. ثم بلاد البحرين و هجر منها في آخر الجزء و في الجزء السابع في الأعلى من غربيه قطعة من بحر فارس تتصل بم القطعة الأخرى في السادس و يغمر بحر الهند جانبه الأعلى كله و عليه هنالك بلاد السند إلى بلاد مكران و يقابلها بلاد الطوبران و هي من السند أيضاً فيتصل السند كله في الجانب الغربي من هذا الجزء و تحول المفاوز بينه و بين أرض الهند و يمر فيه نهره الآتي من ناحية بلاد الهند و يصب في البحر الهندي في الجنوب و أول بلاد الهند على ساحل البحر الهندي و في سمتها شرقاً بلاد بلهرا و تحتها الملتان بلاد الصنم المعظم عندهم، ثم إلى أسفل من السند، ثم إلى أعالي بلاد سجستان. و في الجزء الثامن من غربيه بقية بلاد بلهرا من الهند، و على سمتها شرقاً بلاد القندهار. ثم بلاد منيبار و في الجانب الأعلى على ساحل البحر الهندي و تحتها في الجالب الأسفل أرض كابل و بعدها شرقاً إلى البحر المحيط بلاد القنوج ما بين قشمير الداخلة و قشمير الخارجة عند آخر الإقليم و في الجزء التاسع ثم في الجانب الغربي منه بلاد الهند الأقصى و يتصل فيه إلى الجانب الشرقي فيتصل من أعلاه إلى العاشر و تبقى في أسفل ذلك الجانب قطعة من بلاد الصين فيها مدينة شيغون ثم تتصل بلاد الصين في الجزء العاشر كله إلى البحر المحيط و الله و رسوله أعلم و به سبحانه التوفيق و هو و لي الفضل و الكرم.

الإقليم الثالث: و هو متصل بالثاني من جهة الشمال ففي الجزء الأول منه و على نحو الثلث من أعلاه جبل درن معترض فيه من غربيه عند البحر المحيط إلى الشرق عند آخر و يسكن هذا الجبل من البربر أمم لا يحصيهم إلا خالقهم حسبما يأتي ذكره و في القطعة التي بين هذا الجبل و الإقليم الثاني و على البحر المحيط منها رباط ماسة و يتصل به شرقاً بلاد سوس و نول و على سمتها شرقاً بلاد درعة ثم بلاد سجلماسة ثم قطعة من صحراء نستر المفازة التي ذكرناها في الإقليم الثاني و هذا الجبل مطل على هذه البلاد كلها في هذا الجزء و هو قليل الثنايا و المسالك في هذه الناحية الغربية إلى أن يسامت وادي ملوية فتكثر ثناياه و مسالكه إلى أن ينتهي و في هذه الناحية منه أمم المصامدة ثم هنتانة ثم تينملك ثم كدميوه ثم مشكورة و ثم آخر المصامدة فيه ثم قبائل صنهاكة و هم صنهاجة و في آخر هذا الجزء منه بعض قبائل زناتة و يتصل به هنالك من جوفيه جبل أوراس و هو جبل كتامة و بعد ذلك أمم أخرى من البرابرة نذكرهم في أماكنهم. ثم إن جبل درن هذا من جهة غربيه مطل على بلاد المغرب الأقصى و هي في جوفيه ففي الناحية الجنوبية منها بلاد مراكش و أغمات و تادلاً و على البحر المحيط منها رباط أسفى و مدينة سلا و في الجوف عن بلاد مراكش بلاد فاس و مكناسة و تازا و قصر كتامة و هذه هي التي تسمى المغرب الأقصى في عرف أهلها و على ساحل البحر المحيط منها بلدان أصيلا و العرايش و في سمت هذه البلاد شرقاً بلاد المغرب الأوسط و قاعدتها تلمسان و في سواحلها على البحر الرومي بلد هنين و وهران و الجزائر لأن هذا البحر الرومي يخرج من البحر المحيط من خليج طنجة في الناحية الغربية من الإقليم الرابع و يذهب مشرقاً فينتهي إلى بلاد الشام فإذا خرج من الخليج المتضايق غير بعيد انفسح جنوباً و شمالاً فدخل في الإقليم الثالث و الخامس فلهذا كان على ساحله من هذا الإقليم الثالث الكثير في بلاده ثم يتصل ببلاد الجزائر من شرقيها بلاد بجاية في ساحل البحر

ثم قسطنطينية في الشرق منها و في آخر الجزء الأول و على مرحلة من هذا البحر في جنوبي هذه البلاد و مرتفعاً إلى جنوب المغرب الأوسط بلد أشير ثم بلد المسيلة ثم الزاب و قاعدته بسكرة تحت جبل أوراس المتصل بدرن كما مر و ذلك عند آخر هذا الجزء من جهة الشرق

و الجزء الثالث من هذا الإقليم على هيئة الجزء الأول ثم جبل درن على نحو الثلث من جنوبه ذاهباً فيه من غرب إلى شرق فيقسمه بقطعتين و يعبر البحر الرومي مسافة من شماله فالقطعة الجنوبية عن جبل درن غربيها كله مفاوز و في الشرق منها بلد عذامس و في سمتها شرقاً أرض و دان التي بقيتها في الإقليم الثاني كما مر و القطعة الجوفية عن جبل درن ما بينه و بين البحر الرومي في الغرب منها جبل أوراس و تبسة و الأوبس و على ساحل البحر بلد بونة ثم في سمت هذه البلاد شرقاً بلاد أفريقية فعلى ساحل البحر مدينة تونس ثم السوسة ثم المهدية و في جنوب هذه البلاد تحت جبل درن بلاد الجريد توزر و قفصة و نفراوة و فيما بينها و بين السواحل مدينة القيروان و جبل و سلات و سبيطلة و على سمت هذه البلاد كلها شرقاً بلد طرابلس على البحر الرومي و بإزائها في الجنوب جبل دمر و نقرة من قبائل هوارة متصلة بجبل درن و في مقابلة غذامس التي مر في نهرها في آخر القطعة الجنوبية و آخر هذا الجزء في الشرق سويقة ابن مشكورة على البحر و في جنوبها مجالات العرب في أرض و دان و في الجزء الثالث من هذا

الإقليم يمر أيضاً فيه جبل درن إلا أنه ينعطف عند آخر إلى الشمال و يذهب على سمته إلى أن يدخل في البحر الرومي و يسمى هنالك طرف أوثان و البحر الرومي من شماليه يغمر طائفة منه إلى أن يضايق ما بينه و بين جبل درن فالذي وراء الجبل في الجنوب و في الغرب منه بقية أرض و دان. و مجالات العرب فيها ثم زويلة ابن خطاب ثم رمال و قفار إلى آخر الجزء في الشرقي و فيما بين الجبل و البحر في الغرب منه بلد سرت على البحر ثم خلاء و قفار تجول فيها العرب ثم أجدابية ثم برقة عند منعطف الجبل ثم طلمسة على البحر هنالك ثم في شرقي المنعطف من الجبل مجالات هيب و رواحة إلى آخر الجزء و في الجزء الرابع من هذا الإقليم و في الأعلى من غربيه صحارى برقيق و أسفل منها بلاد هيب و رواحة ثم يدخل البحر الرومي في هذا الجزء فيغير طائفة منه إلى الجنوب حتى يزاحم طرفه الأعلى و يبقى بينه و بين آخر الجزء فيها قفار تجول فيها العرب و على سمتها شرقاً بلاد الفيوم و هي على مصب أحد الشعبين من النيل الذي يمر على اللاهون من بلاد الصعيد في الجزء الرابع من الإقليم الثاني و يصب في بحيرة فيوم و على سمته شرقاً أرض مصر و مدينتها الشهيرة على الشعب الثاني الذي يمر بدلاص من بلاد الصعيد عند آخر الجزء الثاني و يفترق هذا الشعب افتراقه ثانية من تحت مصر على شعبين آخرين من شطنوف و زفتي و ينقسم الأيمن منهما من قرمط بشعبين آخرين و يصب جميعها في البحر الرومي فعلى مصب الغربي من هذا الشعب بلد الإسكندرية و على مصب الوسط بلد رشيد و على مصب الشرقي بلد دمياط و بين مصر و القاهرة و بين هذه السواحل البحرية أسافل الديار المصرية كلها محشوة عمراناً و فلجاً و في الجزء الخاص من هذا الإقليم بلاد الشام و كثرها على ما أصف و ذلك لأن بحر القلزم ينتهي من الجنوب و في الغرب منه عند السويس لأنه في ممره مبتدىء من البحر الهندي إلى الشمال ينعطف آخذاً إلى جهة الغرب فتكون قطعة من انعطافه في الجزء طويلة فينتهي في الطرف الغربي منه إلى السويس و على هذه القطعة بغد السويس فاران ثم جبل الطور ثم أيلة مدين ثم الحوراء في آخرها و من هنالك ينعطف بساحله إلى الجنوب في أرضي الحجاز كما مر في الإقليم الثاني في الجزء الخامس منه

و في الناحية الشمالية من هذا الجزء قطعة من البحر الرومي غمرت كثيراً من غربيه عليها الفرما و العريش و قارب طرفها بلد القلزم فيضايق ما بينهما من هنالك و بقي شبه الباب مفضياً إلى أرض الشام و في غربي هذا الباب فحص التيه أرض جرداء لا تنبت كانت مجالاً لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر و قبل دخولهم إلى الشام أربعين سنة كما قصة القرآن، و في هذه القطعة من البحر الرومي في هذا الجزء طائفة من جزيرة قبرص و بقيتها في الإقليم الرابع كما نذكره و على ساحل هذه القطعة عند الطرف المتضايق لبحر السويس بلد العريش و هو آخر الديار المصرية و عسقلان و بينهما طرف هذا البحر ثم تنحط هذه القطعة في انعطافها من هنالك إلى الإقليم الرابع عند طرابلس و غزة و هنالك ينتهي البحر الرومي في جهة الشرق و على هذه القطعة أكثر سواحل الشام ففي شرقه غزة ثم عسقلان و بانحراف يسير عنها إلى الشمال بلد قيسارية ثم كذلك بلد عكاء ثم صور ثم صيداء ثم ينعطف البحر إلى الشمال في الإقليم الرابع و يقابل هذه البلاد الساحلية من هذه القطعة في هذا الجزء جبل عظيها يخرج من ساحل أيلة من بحر القلزم و يذهب في ناحية الشمال منحرفاً إلى الشرق إلى أن يجاوز هذا الجزء و يسمى جبل اللكام و كأنه حاجز بين أرض مصر و الشام ففي طرفه عند أيلة العقبة التي يفر عليها الحجاج من مصر إلى مكة ثم بعدها في ناحية الشمال مدفن الخليل عليه الصلاة و السلام عند جبل السراة يتصل من عند جبل اللكام المذكور من شمال العقبة ذاهباً على سمت الشرق ثم ينعطف قليلاً و في شرقه هنالك بلد الحجر و ديار ثمود و تيماء و دومة الجندل و هي أسافل الحجاز و فوقها جبل رضوى و حصون خيبر في جهة الجنوب عنها و فيما بين جبل السراة و بحر القلزم صحراء تبوك و في شمال جبل السراة مدينة القدس عند جبل اللكام ثم الأردن ثم طبرية و في شرقيها بلاد الغور إلى أذرعات و في سمتها دومة الجندل آخر هذا الجزء و هي آخر الحجاز.

و عند منعطف جبل اللكام إلى الشمال من آخر هذا الجزء مدينة دمشق مقابلة صيدا و بيروت من القطعة البحرية و جبل اللكام يعترض بينها و بينها و على سنت دمشق في الشرق مدينة بعلبك ثم مدينة حمص في الجهة الشمالية آخر الجزء عند منقطع جبل اللكام و في الشرق عن بعلبك و حمص بلد تدمر و مجالات البادية إلى آخر الجزء و في الجزء السادس من أعلاه مجالات الأعراب تحت بلاد نجد و اليمامة ما بين جبل العرج و الصمان إلى البحرين و هجر على بحر فارس و في أسافل هذا الجزء تحت المجالات بلد الحيرة و القادسية و مغايض الفرات. و فيما بعدها شرقاً مدينة البصرة و في هذا الجزء ينتهي بحر فارس عند عبادان و الأيلة من أسافل الجزء من شماله و يصب! فيه عند عبادان نهر دجلة بعد أن ينقسم بجداول كثيرة و تختلط به جداول أخرى من الفرات ثم تجتمع كلها عند عبادان و تصب في بحر فارس و هذه القطعة من البحر متسعة في أعلاه مضايقة في آخر في شرقيه و ضيقة عند منتهاه مضايقة للحد الشمالي منه و على عدوتها الغربية منه أسافل البحرين و هجر و الاحساء و في غربها أخطب و الصمان و بقية أرض اليمامة و على عدوته الشرقية سواحل فارس من أعلاها و هو من عند آخر الجزء من الشرق لما على طرف قد امتد من هذا البحر مشرقاً و وراءه إلى الجنوب في هذا الجزء جبال القفص من كرمان و تحت هرمز على الساحل بلد سيراف و نجيرم على ساحل هذا البحر و في شرقيه إلى آخر هذا الجزء و تحت هرمز بلاد فارس مثل سابور و دار أبجرد و نسا و إصطخر و الشاهجان و شيراز و هي قاعدتها كلها و تحت بلاد فارس إلى الشمال عند طرف البحر بلاد خوزستان و منها الأهواز و تستر و صدى و سابور و السوس و رام هرمز و غيرها و أزجال و هي حد ما بين فارس و خوزستان و في شرقي بلاد خوزستان جبال الأكراد متصلة إلى نواحي أصبهان و بها مساكنهم و مجالاتهم وراءها في أرض فارس و تسمى الرسوم. و في الجزء السابع في الأعلى منه من المغرب بقية جبال القفص و يليها من الجنوب و الشمال بلاد كرمان و مكران و من مدنها الرودن و الشيرجان و جيرفت و يزدشير و البهرج و تحت أرض كرمان إلى الشمال بقية بلاد فارس إلى حدود أصبهان و مدينة أصبهان في طرف هذا الجزء ما بين غربه و شماله ثم في المشرق عن بلاد كرمان و بلاد فارس أرض سجستان و كوهستان في الجنوب و أرض كوهستان في الشمال عنها و يتوسط بين كرمان و فارس و بين سجستان و كوهستان، و في وسط هذا الجزء المفاوز العظمى القليلة المسالك لصعوبتها من مدن سجستان بست الطاق و أما كوهستان فهي من بلاد خراسان و من مشاهير بلاد سرخس و قوهستان آخر الجزء. و في الجزء الثامن غربه و جنوبه مجالات الحلج من أمم الترك متصلة بأرض سجستان من غربها و بأرض كابل الهند من جنوبها و في الشمال عن هذه المجالاة جبال الغور و بلادها و قاعدتها غزنة فرضة الهند و في آخر الغور من الشمال بلاد أستراباذ ثم في الشمال غرباً إلى أخر الجزء بلاد هراة أوسط خراسان و بها أسفراين و قاشان و بوشنج و مرو الروذ و الطالقان و الجوزجان و تنتهي خراسان هنالك إلى نهر جيحون.

تصنيف:مقدمة ابن خلدون


القسم الثاني من تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا Edit

و على هذا النهر من بلاد خراسان من غرببه مدينة بلخ و في شرقيه مدينة ترمذ و مدينة بلخ كانت كرسي مملكة الترك و هذا النهر نهر جيحون مخرجه من بلاد و جار في حدود بذخشان مما يلي الهند و يخرج من جنوب هذا الجزء و عند آخر من الشرق فينعطف عن قرب مغرباً إلى وسط الجزء و يسمى هنالك نهر خرناب ثم ينعطف إلى الشمال حتى يمر بخراسان و يذهب على سنته إلى أن يصب في بحيرة خوارزم في الإقليم لخامس كما نذكره و يمده عند انعطافه في وسط الجزء من الجنوب إلى الشمال خمسة أنهار عظيمة من بلاد الختل و الوخش من شرقيه و أنهار أخرى من جبال البتم من شرقيه أيضاً و جوفي الجبل حتى يتسع و يعظم بما لا كفاء له و من هذه الأنهار الخمسة الممدة له نهر و خشاب يخرج من بلاد التبت و هي بين الجنوب و الشرق من هذا الجزء فيمر مغرباً بالحر إلى الشمال إلى أن يخرج إلى الجزء التاسع قريباً من شمال هذا الجزء يعترضه في طريقه جبل عظيم يمر من وسط الجنوب في هذا الجزء و يذهب مشرقاً بانحراف إلى الشمال إلى أن يخرج إلى الجزء التاسع قريباً من شمال هذا الجزء فيجوز بلاد التبت إلى القطعة الشرقية الجنوبية من هذا الجزء و يحول بين الترك و بين بلاد الختل و ليس فيه إلا مسلك واحد في وسط الشرق من هذا الجزء جعل فيه الفصل بن يحيى سداً و بنى فيه باباً كسد ياجوج و ماجوج فإذا خرج نهر و خشاب من بلاد التبت و اعترضه هذا الجبل فيمر تحته في مدى بعيد إلى أن يمر في بلاد الوخش و يصب في نهر جيحون عند حدود بلخ ثم يمر هابطاً إلى الترمذ في الشمال إلى بلاد الجوزجان و في الشرق عن بلاد الغور فيما بينها و بين نهر جيحون بلاد الناسان من خراسان و في العدوة الشرقية هنالك من النهر بلاد الختل و أكثرها جبال و بلاد الوخش و يحدها من جهة الشمال جبال البتم تخرج من طرف خراسان غربي نهر جيحون و تذهب مشرقةً إلى أن يتصل طرفها بالجبل العظيم الذي خلفه بلاد التبت و يمر تحته نهر و خشاب كما قلناه فيتصل عند باب الفضل بن يحيى و يمر نهر جيحون بين هذه الجبال و أنهار أخرى تصب فيه منها نهر بلاد الوخش يصب فيه من الشرق تحت الترمذ إلي جهة الشمال و نهر بلخ يخرج من جبال البتم مبدإه عند الجوزجان و يصب فيه من غربيه و على هذا النهر من غربيه بلاد آمد من خراسان و في شرقي النهر من هنالك أرض الصغد و أسر وشنة من بلاد الترك و في شرقها أرض فرغانة أيضاً إلى آخر الجزء شرقاً و كل بلاد الترك تحوزها جبال البتم إلى شمالها و في الجزء التاسع من غربه أرض التبت إلى وسط الجزء و في جنوبيها بلاد الهند و في شرقيها بلاد الصين إلى آخر الجزء و في أسفل هذا الجزء شمالاً عن بلاد التبت بلاد الخزلجية من بلاد الترك إلى آخر الجزء شرقاً و شمالاً و يتصل بها من غربيها أرض فرغانة أيضاً إلى آخر الجزء شرقاً و من شرقيها أرض التغرغر من الترك إلى الجزء شرقاً و شمالاً. و في الجزء العاشر في الجنوب منه جميعاً بقية الصين و أسافله و في الشمال بقية بلاد التغرغر ثم شرقاً عنهم بلاد خرخير من الترك أيضاً إلى آخر الجزء شرقاً و في الشمال من أرض خرخير بلاد كتمان من الترك و قبالتها في البحر المحيط جزيرة الياقوت في وسط جبل مستدير لا منفذ منه إليها و لا مسلك و الصعود إلى أعلاه من خارجه صعب في الغاية و في الجزيرة حيات قتالة و حصى من الياقوت كثيرة فيحتال أهل تلك الناحية بما يلهمهم الله إليه و أهل هذه البلاد في هذا الجزء التاسع و العاشر فيما وراء خراسان و الجبال كلها مجالات للترك أمم لا تحصى و هم ظواعن رحالة أهل إبل و شاء و بقر و خيل للنتاج و الركوب و الأكل و طوائفهم كثيرة لا يحصيهم إلا خالقهم و فيهم مسلمون مما يلي بلاد النهر نهر جيحون و يغزون الكفار منهم الدائنين بالمجوسية فيبيعون رقيقهم لمن يليهم و يخرجون إلى بلاد خراسان و الهند و العراق الإقليم الرابع: يتصل بالثالث من جهة الشمال. و الجزء الأول منه في غربيه قطعة من البحر المحيط مستطيلة من أوله جنوباً إلى آخر شمالاً و عليها في الجنوب مدينة طنجة و من هذه القطعة تحت طنجة من البحر المحيط إلى البحر الرومي في خليج متضايق بمقدار اثني عشر ميلاً ما بين طريف و الجزيرة الخضراء شمالاً و قصر المجاز و سبتة جنوباً و يذهب مشرقاً إلى أن ينتهي إلى وسط الجزء الخامس من هذا الإقليم و ينفسح في ذهابه بتدريج إلى أن يغمر الأربعة الأجزاء و أكثر الخامس من هذا الإقليم الثالث و الخامس كما سنذكره و يسمى هذا البحر البحر الشامي أيضاً و فيه جزائر كثيرة أعظمها في جهة الغرب يابسة ثم ما يرقة ثم منرقة ثم سردانية ثم صقلية و هي أعظمها ثم بلونس ثم أقريطش ثم قبرص كما نذكرها كلها في أجزائها التي وقعت فيها و يخرج من هذا البحر الرومي عند آخر الجزء الثالث منه و في الجزء الثالث من الإقليم الخامس خليج البنادقة يذهب إلى ناحية الشمال ثم ينعطف عند وسط الجزء من جوفه و يمر مغرباً إلى أن ينتهي في الجزء الثاني من الخامس و يخرج منه أيضاً في آخر الجزء الرابع شرقاً من الإقليم الخامس خليج القسطنطينية يمر في الشمال متضايقاً في عرض رمية السهم إلى آخر الإقليم ثم يفضي إلى الجزء الرابع من الإقليم السادس و ينعطف إلى بحر نيطش ذاهباً إلى الشرق في الجزء الخامس كله و نصف السادس من الإقليم السادس كما نذكر ذلك في أماكنه و عندما يخرج هذا البحر الرومي من البحر المحيط في خليج طنجة و ينفسح إلى الإقليم الثالث. يبقى في الجنوب عن الخليج قطعة صغيرة من هذا الجزء فيها مدينة طنجة على مجمع البحرين و بعدها مدينة سبتة على البحر الرومي ثم قطأون ثم باديس ثم يغمر هذا البحر بقية هذا الجزء شرقاً و يخرج إلى الثالث و أكثر العمارة في هذا الجزء في شماله و شمال الخليج منه و هي كلها بلاد الأندلس الغربية منها ما بين البحر المحيط و البحر الرومي أولها طريف عند مجمع البحرين و في الشرق منها على ساحل البحر الرومي الجزيرة الخضراء ثم مالقة ثم المنقب ثم المرية و تحت هذه من لدن البحر المحيط غرباً و على مقربة منه شريش ثم لبلة و قبالتها فيه جزيرة قادس و في الشرق عن شريش و لبلة إشبيلية ثم أستجة و قرطبة و مديلة ثم غرناطة و جيان و أبدة ثم و اديش و بسطة و تحت هذه شنتمرية و شلب على البحر المحيط غرباً و في الشرق عنهما بطلموس و ماردة و يابرة ثم غافق و بزجالة ثم قلعة رياح و تحت هذه أشبونة على البحر المحيط غرباً و على نهر باجة و في الشرق عنها شنترين و موزية على النهر المذكور ثم قنطرة السيف و يسامت اشبونة من جهة الشرق جبل الشارات يبدأ من المغرب هنالك و يذهب مشرقاً مع آخر الجزء من شماليه فينتهي إلى مدينة سالم فيما بعد النصف منه و تحت هذا الجبل طلبيرة في الشرق من فورنة ثم طليطلة ثم وادي الحجارة ثم مدينة سالم و عند أول هذا الجبل فيما بينه و بين أشبونة بلد قلمرية و هذه غربي الأندلس. و أما شرقي الأندلس فعلى ساحل البحر الرومي منها بعد المرية قرطاجنة ثم لفتة ثم دانية ثم بلنسية إلى طرطوشة آخر الجزء في الشرق، و تحتها شمالاً ليورقة و شقورة تتاخمان بسطة و قلعة رياح من غرب الأندلس ثم مرسية شرقاً ثم شاطبة تحت بلنسية شمالاً ثم شقر ثم طرطوشة ثم طركونة آخر الجزء ثم تحت هذه شمالاً أرض منجالة وريدة متاخمان لشقورة و طليطلة من الغرب ثم أفراغة شرقاً تحت طرطوشة و شمالاً عنها ثم في الشرق عن مدينة سالم تقلة أيوب ثم سرقسطة ثم لاردة آخر الجزء شرقاً و شمالاً. و الجزء الثاني من هذا الإقليم غمر الماء جميعه إلا قطعة من غربيه في الشمال فيها بقية جبل البرنات و معناه جبل الثنايا و السالك يخرج إليه من آخر الجزء الأول من الإقليم الخامس يبدأ من الطرف المنتهي، من البحر المحيط عند آخر ذلك الجزء جنوباً و شرقاً و يمر في الجنوب بالحر إلى الشرق فيخرج في هذا الإقليم الرابع منحرفاً عن الجزء الأول منه إلى هذا الجزء الثاني فيقع فيه قطعة منه تفضي ثناياها إلى البر المتصل و تسمى أرض غشكونية و فيه مدينة خريدة و قرقشونة و على ساحل البحر الرومي من هذه القطعة مدينة برشلونة ثم أربونة و في هذا البحر الذي غمر الجزء جزائر كثيرة و الكثير منها غير مسكون لصغرها ففي غربيه جزيرة سردانية و في شرقيه جزيرة صقلية متسعة الأقطار يقال إن دورها سبعمائة ميل و بها مدن كثيرة من مشاهيرها سرقوسة و بلرم و طرابغة و مازر و مسيني و هذه الجزيرة تقابل أرض أفريقية و فيما بينهما جزيرة أعدوش و مالطة. و الجزء الثالث من هذا الإقليم مغمور أيضاً بالبحر إلا ثلاث قطع من ناحية الشمالي الغربية منها أرض قلورية و الوسطى من أرض أبكيردة و الشرقية من بلاد البنادقة. و الجزء الرابع من هذا الإقليم مغمور أيضاً بالبحر كما مر و جزائره كثيرة و أكثرها غير مسكون كما في الثالث و المغمور منها جزيرة بلونس في الناحية الغريبة الشمالية و جزيرة أقريطش مستطيلة من وسط الجزء إلى ما بين الجنوب و الشرق منة. و الجزء الخامس من هذا الإقليم غمر البحر منه مثلثة كبيرة بين الجنوب و الغرب ينتهي الضلع الغربي منها إلى، آخر الجزء في الشمال و ينتهي الضلع الجنوبي منها إلى نحو الثلثين من الجزء و يبقى في الجالب الشرقي من الجزء قطعة نحو الثلث يمر الشمالي منها إلى الغرب منعطفاً مع البحر كما قلناه و في النصف الجنوبي منها أسافل الشام و يمر في وسطها جبل اللكام إلى أن ينتهي إلى آخر الشام في الشمال فينعطف من هنالك ذاهباً إلى القطر الشرقي الشمالي و يسمى بعد انعطافه جبل السلسلة و من هنالك يخرج إلى الإقليم الخامس و يجوز من عند منعطفه قطعة من بلاد الجزيرة إلى جهة الشرق و يقوم من عند منعطفه من جهة المغرب جبال متصلة بعضها ببعض إلى أن ينتهي إلى طرف خارج من البحر الرومي متأخر إلى آخر الجزء من الشمالي و بين هذه الجبال ثنايا تسمى الدروب و هي التي تفضي إلى بلاد الأرمن و في هذا الجزء قطعة منها بين هذه الجبال و بين جبل السلسلة فأما الجهة الجنوبية التي قدمنا أن فيها أسافل الشام و أن جبل اللكام معترض فيها بين البحر الرومي و آخر الجزء من الجنوب إلى الشمال فعلى ساحلي البحر بلد أنطرطوس في أول الجزء من الجنوب متاخمة لغزة و طرابلس على ساحله من الإقليم الثالث و في شمال أنطرطوس جبلة ثم اللاذقية ثم إسكندرونة ثم سلوقية و بعدها شمالاً بلاد الروم و أما جبل اللكام المعترض بين البحر و آخر الجزء بحافاته فيصاقبه من بلاد الشام من أعلى الجزء جنوباً من غربيه حصن الحواني و هو للحشيشة الإسماعيلية و يعرفون لهذا العهد بالفداوية و يسمى مصيات و هو قبالة أنطرطوس و قبالة هذا الحصن في شرق الجبل بلد سلمية في الشمال عن حمص و في الشمال و في مصيات بين الجبل و البحر بلد انطاكية و يقابلها في شرق الجبل المعرة و في شرقها المراغة و في شمال انطاكية المصيصة ثم أذنة ثم طرسوس آخر الشام و يحاذيها من غرب الجبل قنسرين ثم عين زربة و قبالة قنسرين في شرق الجبل حلب و يقابل عين زربة منبج آخر الشام. و أما الدروب فعن يمينها ما بينها و بين البحر الرومي بلاد الروم التي هي لهذا العهد للتركمان و سلطانها ابن عثمان و في ساحل البحر منها بلد أنطاكية و العلايا. و أما بلاد الأرمن التي بين جبل الدروب و جبل السلسلة ففيها بلد مرعش و ملطية و المعرة إلى آخر الجزء الشمالي و يخرج من الجزء الخامس في بلاد الأرمن نهر جيحان و نهر سيحان في شرقيه فيمر بها جيحان جنوباً حتى يتجاوز الدروب ثم يمر بطرسوس ثم بالمصيصة ثم ينعطف هابطاً إلى الشمال و مغرباً حتى يصب في البحر الرومي جنوب سلوقية و يمر نهر سيحان مؤازياً لنهر جيحان فيحاذى المعرة و مرعش و يتجاوز جبال الدروب إلى أرض الشام ثم يمر بعين زربة و يحوز عن نهر جيحان ثم ينعطف إلى الشمال مغرباً فيختلط بنهر جيحان عند المصيصة و من غربها و أما بلاد الجزيرة التي يحيط بها منعطف جبل اللكام إلى جبل السلسلة ففي جنوبها الرافضة و الرقة ثم حران ثم سروج و الرها ثم نصيبين ثم سميساط و آمد تحت جبل السلسلة و آخر الجزء من شماله و هو أيضاً آخر الجزء من شرقيه و يمر في وسط هذه القطعة نهر الفرات و نهر دجلة يخرجان من الإقليم الخامس و يمران في بلاد الأرمن جنوباً إلى أن يتجاوزا جبل السلسلة فيمر نهر الفرات من غربي سميساط و سروج و ينحرف إلى الشرق فيمر بقرب الرافضة و الرقة و يخرج إلى الجزء السادس و يمر دجلة شرق آمد و ينعطف قريباً إلى الشرق فيخرج قريباً إلى الجزء السادس و في الجزء السادس من هذا الإقليم من غربيه بلاد الجزيرة و في الشرق منها بلاد العراق متصلة بها تنتهي في الشرق إلى قرب آخر الجزء و يعترض من آخر العراق هنالك جبل أصبهان هابطاً من جنوب الجزء منحرفاً إلى الغرب فإذا انتهي إلى وسط الجزء من آخر في الشمال يذهب مغرباً إلى أن يخرج من الجزء السادس و يتصل على سنته بجبل السلسلة في الجزء الخامس فينقطع هذا الجزة السادس بقطعتين غربية و شرقية ففي الغربية من جنوبيها مخرج الفرات من الخامس و في شماليها مخرج دجلة منه أما الفرات فأول ما يخرج إلى السادس يمر بقرقيسيا و يخرج من هنالك جدول إلى الشمال ينساب في أرض الجزيرة و يغوص في نواحيها و يمر من قرقيسيا غير بعيد ثم ينعطف إلى الجنوب فيمر بقرب الخابور إلى غرب الرحبة و يخرج منه جداول من هنالك يمر جنوباً و لبقى صفين في غربيه ثم ينعطف شرقاً و ينقسم بشعوب فيمر بعضها بالكوفة و بعضها بقصر ابن هبيرة و بالجامعين و تخرج جميعاً في جنوب الجزء إلى الإقليم الثالث فيغوص هنالك في شرق الحيرة و القادسية و يخرج الفرات من الرحبة مشرقاً على سمته إلى هيت من شمالها يمر إلى الزاب و الأنبار من جنوبهما ثم يصب في دجلة عند بغداد. و أما نهر دجلة فإذا دخل من الجزء الخامس إلى هذا الجزء يمر بجزيرة ابن عمر على شمالها ثم بالموصل كذلك و تكريت و ينتهي إلى الحديثة فينعطف جنوباً و تبقى الحديثة في شرقه و الزاب الكبير و الصغير كذلك و يمر على سمته جنوباً و في غرب القادسية إلى أن ينتهي إلى بغداد و يختلط بالفرات ثم يمر جنوباً على غرب جرجرايا إلى أن يخرج من الجزء إلى الإقليم الثالث فتنتشر هنالك شعوبه و جداوله ثم يجتمع و يصب هنالك في بحر فارس عند عبادان و فيما بين نهر دجلة و الفرات قبل مجمعهما كما يبغداد هي بلاد الجزيرة و يختلط بنهر دجلة بعد مفارقته ببغداد نهر آخر يأتي من الجهة الشرقية الشمالية منه و ينتهي إلى بلاد النهروان قبالة بغداد شرقاً ثم ينعطف جنوباً و يختلط بدجلة قبل خروجه إلى الإقليم الثالث و يبقى ما بين هذا النهر و بين جبل العراق و الأعاجم بلد جلولاء و في شرقها عند الجبل بلد حلوان و صيمرة. و أما القطعة الغربية من الجزء فيعترض، جبل يبدأ من جبل الأعاجيم مشرقاً إلى آخر الجزء و يسمى جبل شهرزور و يقسمها بقطعتين في الجنوب من هذه القطعة الصغرى بلد خونجان من الغرب و الشمال عن أصبهان و تسمى هذه القطعة بلد الهلوس و في وسطها بلد نهاوند و في شمالها بلد شهرزور غرباً عند ملتقى الجبلين و الدينور شرقاً عند آخر الجزء و في القطعة الصغرى الثانية من بلاد أرمينية قاعدتها المراغة و الذي يقابلها من جبل العراق يسمى باريا و هو مساكن للأكراد و الزاب الكبير و الصغير الذي على دجلة من ورائه و في آخر هذه القطعة من جهة الشرق بلاد أذربيجان و منها تبريز و البيدقان و في الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء قطعة من بحر نيطش و هو بحر الخزر و في الجزء السابع من هذا الإقليم من غربه و جنوبه معظم بلاد الهلوس و فيها همذان و قزوين و بقيتها في الإقليم الثالث و فيها هنالك أصبهان و يحيط بها من الجنوب جبل يخرج من غربها و يمر بالإقليم الثالث ثم ينعطف من الجزء السادس إلى الإقليم الرابع و يتصل بجبل العراق في شرقيه الذي مر ذكره هنالك و إنه محيط ببلاد الهلوس في القطعة الشرقية و يهبط هذا الجبل المحيط بأصبهان من الإقليم الثالث إلى جهة الشمال و يخرج إلى هذا الجزء السابع محيط ببلاد الهلوس من شرقها و تحته هنالك قاشان ثم قم و ينعطف في قرب النصف من طريقه مغرباً بعض الشيء ثم يرجع مستديراً فيذهب مشرقاً و منحرفاً إلى الشمال حتى يخرج إلى الإقليم الخامس و يشتمل على منعطفه و استدارته على بلد الري في شرقيه و يبدأ من منعطفه جبل آخر يمر غرباً إلى آخر هذا الجزء و من جنوبه من هنالك قزوين و من جانبه الشمالي و جانب جبل الري المتصل معه ذاهباً إلى الشرق و الشمال إلى وسط الجزء ثم إلى الإقليم الخاص بلاد طبرستان فيما بين هذه الجبال و بين قطعة من بحر طبرستان و يدخل من الإقليم الخامس في هذا الجزء في نحو النصف من غربه إلى شرقه و يعترض عند جبل الري و عند انعطافه إلى الغرب جبل متصل يمر على سمته مشرقاً و بانحران قليل إلى الجنوب حتى يدخل في الجزء الثامن من غربه و يبقى بين جبل الري و هذا الجبل من عند مبدأهما بلاد جرجان فيما بين الجبلين و منها بسطام و وراء هذا الجبل قطعة من هذا الجزء فيها بقية المفازة التي بين فارس و خراسان و هي في شرقيه قاشان و في آخرها عند هذا الجبل بلد أستراباذ و حافات هذا الجبل من شرقيه إلى آخر الجزء بلاد نيسابور من خراسان ففي جنوب الجبل و شرق المفازة بلد نيسابور ثم مرو الشاهجان آخر الجزء و في شماله و شرقي جرجان بلد مهرجان و خازرون و طوس آخر الجزء شرقاً و كل هذا تحت الجبل و في الشمال عنها بلاد نسا و يحيط بها عند زاوية الجزئين الشمال و الشرق مفاوز معطلة. و في الجزء الثامن من هذا الإقليم و في غربيه نهر جيحون ذاهباً من الجنوب إلى الشمال ففي عدوته الغربية رمم و آمل من بلاد خراسان و الظاهرية و الجرجانية من بلاد خوارزم و يحيط بالزاوية الغربية الجنوبية منه جبل أستراباذ المعترض في الجزء السابع قبله و يخرج في هذا الجزء من غربيه و يحيط بهذه الزاوية و فيها بقية بلاد هراة و الجوزخان حتى يتصل بجبل البتم كما ذكرناه هنالك و في شرقي نهر جيحون من هذا الجزء و في الجنوب منه بلاد بخارى ثم بلاد الصغد و قاعدتها سمرقند ثم سردارا و أشنة و منها خجندة آخر الجزء شرقاً و في الشمال عن سمرقند و سردار و أشنة أرض إيلاق ثم في الشمال عن إيلاق أرض الشاش إلى آخر الجزء شرقاً و يأخذ قطعة من الجزء التاسع في جنوب تلك القطعة بقية أرض فرغانة و يخرج من تلك القطعة التي في الجزء التاسع نهر الشاش يمر معترضاً في الجزء الثامن إلى أن ينصب في نهر جيحون عند مخرجه من هذا الجزء الثامن في شماله إلى الإقليم الخامس و يختلط معه في أرض إيلاق نهر يأتي من الجزء التاسع من الإقليم الثالث من تخوم بلاد التبت و يختلط معه قبل مخرجه من الجزء التاسع نهر فرغانة و على سمت نهر الشاش جبل جبراغون يبدأ من الإقليم الخامس و ينعطف شرقاً و منحرفاً إلى الجنوب حتى يخرج إلى الجزء التاسع محيطاً بأرض الشاش ثم ينعطف في الجزء التاسع فيحيط بالشاش و فرغانة هناك إلى جنوبه فيدخل في الإقليم الثالث و بين نهر الشاش و طرف هذا الجبل في وسط هذا الجزء بلاد فاراب و بينه و بين أرض بخارى و خوارزم مفاوز معطلة و في زاوية هذا الجزء من الشمال و الشرق أرض خجندة و فيها بلد إسبيجاب و طراز. و في الجزء التاسع من هذا الإقليم في غربيه بعد أرض فرغانة و الشاش أرض الخزلجية في الجنوب و أرض الخليجة في الشمال و في شرقي الجزء كله أرض الكيماكية و يتصل في الجزء العاشر كله إلى جبل قوقيا آخر الجزء شرقاً و على قطعة من البحر المحيط هنالك و هو جبل يأجوج و مأجوج و هذه الأمم كلها من شعوب الترك. انتهي. الإقليم الخامس: الجزء الأول منه أكثره مغمور بالماء إلا قليلاً من جنوبه شرقه لأن البحر المحيط بهذه الجهة الغربية دخل في الإقليم الخامس و السادس و السابع عن الدائرة المحيطة بالإقليم فأما المنكشف من جنوبه فقطعة على شكل مثلث متصلة من هنالك بالأندلس و عليها بقيتها و يحيط بها البحر من جهتين كأنهما ضلعان محيطان بزاوية المثلث ففيها من بقية غرب الأندلس سعيور على البحر عند أول الجزء من الجنوب و الغرب و سلمنكة شرقاً عنها و في جوفها سمورة و في الشرق عن سلمنكة أيلة آخر الجنوب و أرض قستالية شرقاً عنها و فيها مدينة شقونية و في شمالها أرض ليون و برغشت ثم وراءها في الشمال أرض جليقية إلى زاوية القطعة و فيها على البحر المحيط في آخر الضلع الغربي بلد شنتياقو و معناه يعقوب و فيها من شرق بلاد الأندلس مدينة شطلية عند آخر الجزء في الجنوب و شرقاً عن قستالية و في شمالها و شرقها و شقة و بنبلونة على سمتها شرقاً و شمالاً و في غرب بنبلونة قشتالة ثم ناجزة فيما بينها و بين برغشت و يعترض وسط هذه القطعة جبل عظيم محاذ للبحر و للضلع الشمالي الشرقي منه و على قرب و يتصل به و بطرف البحر عند بنبلونة في جهة الشرق الذي ذكرنا من قبل أن يتصل في الجنوب بالبحر الرومي في الإقليم الرابع و يصير حجراً على بلاد الأندلس من جهة الشرق و ثناياه لها أبواب تفضي إلى بلاد غشكونية من أمم الفرنج فمنها من الإقليم الرابع برشلونة و أربونة على ساحل البحر الرومي و خريدة و قرقشونة وراءهما في الشمال و منها من الإقليم الخامس طلوشة شمالاً عن خريدة. و أما المنكشف في هذا الجزء من جهة الشرق فقطعة على شكل مثلث مستطيل زاويته الحادة وراء البرنات شرقاً و فيها على البحر المحيط على رأي القطعة التي يتصل بها جبل البرنات بلد نيونة و في آخر هذه القطعة في الناحية الشرقية الشمالية من الجزء أرض بنطو من الفرنج إلى آخر الجزء. و في الجزء الثاني من الناحية الغربية منه أرض غشكونية و في شمالها أرض بنطو و برغشت و قد ذكرناهما و في شرق بلاد غشكونية في شمالها قطعة أرض من البحر الرومي دخلت في هذا الجزء كالضرس مائلة إلى الشرق قليلاً و صارت بلاد غشكونية في غربها داخلة في جون من البحر و على رأس هذه القطعة شمالاً بلاد جنوة و على سمتها في الشمال جبل نيت جون و في شماله و على سمعه أرض برغونة و في الشرق عن طرف جنوة الخارج من البحر الرومي طرف آخر خارج منه يبقى بينهما جون داخل من البر في البحر في غزبيه نيش و في شرقيه مدينة رومة العظمى كرسي ملك الإفرنجة و مسكن البابا بطركهم الأعظم و فيها من المباني الضخمة و الهياكل الهائلة و الكنائس العادية ما هو معروف الأخبار و من عجائبها النهر الجاري في وسطها من المشرق إلى المغرب مفروش قاعه ببلاط النحاس و فيها كنيسة بطرس و بولس من الحواريين و هما مدفونان بها و في الشمال عن بلاد رومة بلاد أقرنصيصة إلى آخر الجزء، و على هذا الطرف من البحر الذي في جنوبه رومة بلاد نابل في الجانب الشرقي منه متصلة ببلد قلورية من بلاد الفرنج و في شمالها طرف من خليج البنادقة دخل في هذا الجزء من الجزء الثالث مغرباً و محاذياً للشمال من هذا الجزء و انتهى إلى نحو الثلث منه و عليه كثير من بلاد البنادقة دخل في هذا الجزء من جنوبه فيما بينه و بين البحر المحيط و من شماله بلاد إنكلاية في الإقليم السادس. و في الجزء الثالث من هذا الإقليم في غربيه بلاد قلورية بين خليج البنادقة و البحر الرومي يحيط بها من شرقيه يصل من برها في الإقليم الرابع في البحر الرومي في جون بين طرفين خرجا من البحر على سمت الشمال إلى هذا الجزء في شرقي بلاد قلورية بلاد أنكيردة في جون بين خليج البنادقة و البحر الرومي و يدخل طرف من هذا الجزء في الجون في الإقليم الرابع و في البحر الرومي و يحيط به من شرقيه خليج البنادقة من البحر الرومي ذاهباً إلى سمت الشمال ثم ينعطف إلى الغرب محاذياً لآخر الجزء الشمالي و يخرج على سمته من الإقليم الرابع جبل عظيم يوازيه و يذهب معه إلى الشمال ثم يغرب معه في الإقليم السادس إلى أن ينتهي قبالة خليج في شماليه في بلاد إنكلاية من أمم اللمانيين كما نذكر و على هذا الخليج و بينه و بين هذا الجبل ماداما ذاهبين إلى الشمال بلاد البنادقة فإذا ذهبا إلى المغرب فبينهما بلاد حروايا ثم بلاد الألمانيين عند طرف الخليج. و في الجزء الرابع من هذا الإقليم قطعة من البحر الرومي خرجت إليه من الإقليم الرابع مضرسةً كلها بقطع من البحر و يخرج منها إلى الشمال و بين كل ضرسين منها طرف من البحر في الجون بينهما و في آخر الجزء شرقاً قطع من البحر و يخرج منها إلى الشمال خليج القسطنطينية يخرج من هذا الطرف الجنوبي و يذهب على سمت الشمال إلى أن يدخل في الإقليم السادس و ينعطف من هنالك عن قرب مشرقاً إلى بحر نيطش في الجزء الخامس و بعض الرابع قبلة و السادس بعدة من الإقليم السادس كما نذكر و بلد القسطنطينية في شرقي هذا الخليج عند آخر الجزء من الشمال و هي المدينة العظيمة التي كانت كرسي القياصرة و بها من آثار البناء و الضخامة ما كثرت عنه الأحاديث و القطعة التي، ما بين البحر الرومي و خليج القسطنطينية من هذا الجزء و فيها بلاد مقدونية التي كانت لليونانيين و منها ابتداء ملكهم و في شرقي هذا الخليج إلى آخر الجزء قطعة من أرض باطوس و أظنها لهذا العهد مجالات للتركمان و بها ملك ابن عثمان و قاعدته بها بورصة و كانت من قبلهم للروم و غلبهم عليها لما الأمم إلى أن صارت للتركمان. و في الجزء الخاص من هذا الإقليم من غربيه و جنوبيه أرض باطوس و في الشمال عنها إلى آخر الجزء بلاد عمورية و في شرقي عمورية نهر قباقب الذي يمد الغرات و يخرج من جبل هنالك و يذهب في الجنوب حتى يخالط الفرات قبل وصوله من هذا الجزء إلى ممره في الإقليم الرابع و هنالك في غربيه آخر الجزء في مبدأ سيحال ثم نهر جيحان غربيه الذاهبين على سمته و قد مر ذكرهما و في شرقه هنالك مبدأ نهر دجلة الذاهب على سمته و في موازاته حتى يخالطه عند بغداد و في الزاوية التي بين الجنوب و الشرق من هذا الجزء وراء الجبل الذي يبدأ منه نهر دجلة بلد ميافارقين و نهر قباقب الذي ذكرناه يقسم هذا الجزء بقطعتين إحداهما غربية جنوبية و فيها أرض باطوس كما قلناه و أسافلها إلى آخر الجزء شمالاً و وراء الجبل الذي يبدأ منه نهر قباقب أرض عمورية كما قلناه و القطعة الثانية شرقية شمالية على الثلث في الجنوب منها مبدأ دجلة و الفرات و في الشمال بلاد البيلقان متصلة بأرضي عمورية من وراء جبل قباقب و هي عريبة و في آخرها عند مبدإ الفرات بلد خرشنة و في الزاوية الشرقية الشمالية قطعة من بحر نيطش الذي يمده خليج القسطنطينية. تصنيف:مقدمة ابن خلدون

Around Wikia's network

Random Wiki